حين فتحت عيني اليوم للحظة الأولى، وتركتهما تتجولان في الغرفة وبين الزوايا، رأيت أمورًا تتجسد في ذهني، أمورًا كنت أعرفها من قبل، لكني لم أرها من هذه الزاوية التي تتجسد وتترابط أمامي اليوم من قبل، رأيت "الجنس"، و"الحب"، "والاغتصاب" في كيان مترابط له دلالاته ومعانيه. فمثلًا، قد سمعت كثيرًا مصطلح "الاغتصاب الزوجي"، والكلمة وحدها كانت كفيلة برفضي للاغتصاب الزوجي بالطبع، لكني وأنا أرفض لم أكن أدرك بشكل دقيق ما هو الاغتصاب الزوجي؟
حسنًا كنت أيضًا أسمع أن "الرجل يحتاج الجنس والمرأة تحتاج الحب" وكلما دخلت هذه العبارة إلى ذهني انطلقت صافرات الانذار.. دخيل! دخيل! دخيل!.. ذهني يصفر عند سماع هذه الجملة، كيف للمرأة ألا تحتاج الجنس؟ وكيف للرجل ألا يحتاج الحب؟ هذا الكلام مهترئ وغبي ومحدود جدًا بالنسبة إليّ، وكنت أنعت قائله بالغبي في اللحظة الأولى.
كنت كذلك قد عرفت معلومات وإن كانت غير كاملة ومحدودة -وهذا بسبب قلة المصادر التي تناقش ذلك بشكل علمي واضح ولأني لا أجيد قراءة الإنجليزية فلا أستطيع البحث عن مصادر بلغة أخرى- عن جسدي الأنثوي، عن تلك "الفتحة المخفية، المغارة التي تؤدي أحيانًا إلى المتعة، وأحيانًا إلى الألم، ودائمًا إلى اليأس" كما وصف خوان خوسيه مياس فتحة المهبل، هذا الوصف الذي صعقني، حيث لم أعرف كيف لرجل أن يصف ويتكلم بلسان أنثى عن جسدها وإحساسها به إلى هذا الحد؟
المهم، كنت أعرف أن هذه المغارة التي وصفها مياس هي لا تبين إلا كفتحة صغيرة تمامًا، ثم تتمدد لتدخل أشياء وتخرج أشياء، وأن عملية الدخول تحديدًا يلزمها أن تكون الأنثى مستعدة ومهيئة نفسيًا وجسديًا.
حسنًا حسنًا.. كنت أعرف كل هذه الأشياء، لكن ماذا حدث عندما فتحت عيني اليوم للحظة الأولى؟
رأيت هذه المغارة في ذهني، وبدت كمغارة مقدسة تمامًا، يقف على جانبيها العسس والحراس، ومفتاحها الوحيد هو "الحب".. ماذا؟ هل هذا يعني أن المرأة تحتاج الحب والرجل يحتاج الجنس؟ تقريبًا، لكن ليس بالشكل الذي يصوره المجتمع في ذهننا الجمعي، بمعنى؟ أن الأمر متشابك ومترابط ومتكامل، المغارة لكي تفتح أبوابها وترحب بالوافد بكل ود ومحبة تحتاج القبلات والكلمات واللمسات، التي تمثل "الحب".. بدون هذه القبلات واللمسات سيكون الأمر مؤلمًا أكثر من كونه ممتعًا. حسنًا حسنًا.. الأمر في ذهني تكون كالآتي: هذه المغارة، ذات الحراس، هي هدية من الطبيعة، هدية إلهية، لتعلمنا الحب، لتقول لنا: لن تحصلوا على المتعة إلا إن بذلتم الحب، ستجنون الألم فقط إن بخلتم بالحب.
وهذا الخطاب غير موجه للرجل وحده، بل للمرأة أيضًا، لأنها في كثير من الأحيان تطمس هذه الرسالة وهذا الخطاب ولا تستمع إليه ولا ترى الحكمة في جسدها، لكنه موجه للرجل بشكل أكبر، لأنه الأقل لمسًا لهذه الحقيقة وأبعادها، لأنه لا يملك ذات المغارة، لأنه لا يشعر بذات الألم واليأس اللذين حدثنا عنهما "مياس"، لأن المرأة وحدها، إن كانت أمًا أو أختًا أو زوجة، هي القادرة على زرع هذا الحب في الرجل وتعليمه إياه، إن أدركت حقًا معنى أنوثتها والحكمة منها ولم تفرط فيها.
وبدا الاغتصاب انتهاكًا لهذا الجسد وهذه المغارة المقدسة، دون أي اعتبار أو احترام لها، لخصوصيتها وهويتها، ولا يفرق كثيرًا، إن كان هذا الاغتصاب من حقير يمشي في الشارع، أو حقير يجلس معي في نفس البيت، كله اغتصاب وكلاهما حقير.
وكلانا، رجلًا وامرأة، نحتاج الحب والجنس في آن واحد، بنفس القدر، لتستقيم حياتنا ونفوسنا.
سعاد، بطلة قصتي القصيرة التي لم أنته منها بعد، والتي أتحدث عنها أكثر مما أجلس لأكتبها، وأدعي أن الحديث عنها يسهل عملية كتابتها، امرأة متوسطة الجمال، في قرية صغيرة، متزوجة من رجل غريب ومستغلق على الفهم، هذا الرجل ينفجر فجأة في البكاء فتحتضننه سعاد كأم كبيرة ترمم ما به من كسور وألم، وهنا تحديدًا، تتخذ علاقتهما شكلًا جديدًا، وتعرف سعاد لأول مرة في حياتها معنى "النشوة"، و"المتعة". قصة سعاد هذه غيرت في نظرتي للأمور، هذا حقيقي وغريب، غريب أن تؤثر فيك وتغير منك بطلة قصة أنت نسجتها في خيالك، لكن هذا بالفعل ما يحدث معي أنا وسعاد، هذا الوضع العاطفي الغريب الذي نتج (الرجل ضعيف يبكي والمرأة أم تحتضن) استثار لذة معينة داخل سعاد، وأنا أكتب هذه الفقرات بين سعاد وزوجها، صرت في حيرة من أمري، هل هذا مشهد عاطفي أم مشهد جنسي؟ جنسي أم عاطفي؟ أم يا ترى عاطفي أم جنسي؟ لا أعرف لا أعرف!
لا أجد هذا الخط الفاصل بين ما هو "عاطفي" وما هو "جنسي"؛ الأمران متداخلان ومتماهيان بطريقة تصعب عليّ الفصل بينهما. ونقلتني قصة سعاد هذه لنظرة جديدة أو لنقل "إحساسًا" جديدًا وتذوقًا مختلفًا للعاطفة والجنس، وأقول "إحساسًا" لأنني لم أستطع أن أصل لصورة واضحة عن الأمر، هو يقع في شعوري فقط حتى الآن ولا أستطيع وصفه، لكنني "أحسه"، وربما أكتب عنه بالتفصيل في مرة أخرى.
يومًا بعد يوم أتأكد من أن الكتابة تطهرنا وتغير فينا وتجعلنا ننمو. أنا ممتنة لكل حرف أكتبه في قصة أو مقال أو في يومياتي الشعورية في دفاتري الخاصة. الكتابة صلاة إلى أن أجد صلاتي. وقد صرت أبحث عن ماهية الكتابة والفن عمومًا بكل أشكاله: ما هو الفن؟ وكيف يكون الفن فنًا؟ وماذا يلزمنا حتى ندرك الفن؟ هذه أسئلة كثيرة لم تتضح إجاباتها بعد في ذهني، لكنها حين تتضح بالتأكيد سأكتب عنها.
لكن من المهم، الإشارة، لافتقادنا الأدبي لكتابة النساء عن الحب والجنس والعواطف، المرأة لا تكتب في هذه الأمور، نعم أنا واضحة في ذلك "المرأة لا تكتب في هذه الأمور"، لأنها حتى إن تطرقت إليها وكتبت فيها تكتب كما كتب أسلافها من الرجال، تكتب فيها بوجهة نظر ذكورية، ولا تقوى الكثير من الكاتبات النساء على أن تكتب من وجهة نظرها هي، بحياتها الداخلية، بتفاصيلها وأفكارها ومشاعرها، أن تخرج عن القالب الذي وضعه الرجال من قبلها وقولبوها داخله، وهي لا تفعل إلا أنها تمشي على خطاهم، وتنظر للأمور بنفس نظرتهم. طبعًا هناك من كتبن وألفن وخرجن بدواخلهن إلى النور، لكن ما تزال النسبة قليلة.
وهذا ما أحاول فعله، أحاول أن أخلق كتابتي الخاصة، وهذا ممتع وصعب في آن واحد، وفي كثير من الأحيان مدهش، لأني أكتشف أمورًا مختلفة وأرى العالم بنظرة مختلفة، كما يحدث معي حينما أكتب قصة "سعاد".
انتهى حديثي لليوم.
24 أغسطس 2015
ايثار دي كتابه جميله خالص. بوافقك قليلات من كتبن عن الجنس باستعمال ادواتهن الخاصة وبنقل احساسهم الشخصي. الخروج من تابو الجنس المفروض من المجتمع عصي حتى على كثير من المثقفات
ردحذف