الخميس، 11 أغسطس 2016

ما فعلته بي سانت كاترين- الجزء الثاني (الحجاب)



مقدمة: هذا المقال، هو تكملة، لسلسلة مقالات بدأتها، أسجل فيها رحلتي الشخصية، في سبيل الإجابة عن أسئلة تمس وجودي وحقيقتي الداخلية.

كتبت عن الفن والجنس والأمومة والدين والحب والألم. وها أنا أكتب مقالًا جديدًا، أكثر صدقًا، وأكثر انفتاحًا على ذاتي، وهذا المقال سيتناول قضية العفة وحقيقتها، وبه حديث عن الأنوثة والذكورة وما بينهما، وبه سرد لبعض الأمور التي قادتني للحجاب. وهو لا يحمل إجابات، بقدر ما يحمل أسئلة، ويفتح آفاقًا جديدة، لأسئلة أعمق، وإجابات منتظرة. فلنبدأ إذن..

1- ((الحب ليس أن تنظر إلي وأنظر إليك، بل أن أنظر أنا وأنت سويًا إلى أفق هذا الكون الشاسع)):

كنت ألتقي بذاك الشاب، عن طريق الصدفة، ولم تجمعني معرفة سابقة به قط. لكن سرعان ما وجدنا تلاقٍ بيننا في الحديث والفكر، ونقاط كثيرة أحببنا أن يطول النقاش حولها. حديثنا فعلًا أعجبني وألهمني، لكني كنت أجد غضاضة في صدري، لأنه ولد وأنا بنت. كنت أتساءل بيني وبين نفسي: هل لهذا الحديث الثري بيننا أن يستمر كحديث بين إنسان وإنسان دون التطرق للثنائية الجنسية لهذين الإنسانين؟ هل يمكنني أن أستمتع بحديثي وإثراء فكري معه دون أن أتطلع بأي شكل من الأشكال إلى إثارة إعجابه بأنوثتي؟ أو حتى لفت نظره إليها..

بالتأكيد، لا مشكلة في كوني أنثى، ولا مشكلة في كونه ذكر، ولا مشكلة أبدًا في انجذابنا لبعضنا، لكن المشكلة بالنسبة إليّ تكمن في أن ننجذب لبعضنا –فقط- لمجرد الغريزة. أي ألا يرى حقيقتي؛ لا يرى عقلي ولا مشاعري ولا جوهر روحي ويرى فقط مظهرًا خارجيًا يضع عنوانًا لي أنني "أنثى". وينجرف في حديث معي لهذا السبب فحسب. لمجرد "قشرة" خارجية.

فكنت أسأل: هل يمكنني أن أكسب صداقة هذا الإنسان وأن نتجاوز قشورنا الخارجية ونرى حقيقة بعضنا البعض؟

كل هذه الأسئلة كانت تنازعني، وكنت قد اتخذت قراري بالفعل في لحظات قليلة جدًا بأن أخوض التجربة وأحاول أن أكسب صداقته وأعرف كيف يمكن لبنت وولد أن يتواصلا بشكل حقيقي وعميق بلا أي زيف أو انجذاب ساذج.

مر الوقت وأنا مشحونة بالعديد من الأفكار والمشاعر التي تتقلب داخلي، كان الأمر أننا نصعد جبلأ شاقًا سويًا؛ جبلًا تجاهد فيه روحي لبلوغ الهدف، وهدفها كان أن تكتشف وتسبر أغوار "عفتها". أعرف أن لفظ العفة هذا مبهم، ويحتاج لكثير من التوضيح. لكني تحديدًا، هنا في هذا المقال، أحاول أن أضع الخطوط الأولى لسؤال سيرافقني لوقت طويل في رحلة بحثي، وهو سؤال: ما هي العفة يا إيثار؟

أنثاء رفقتي لذاك الشاب غامض الشخصية الذي صادفته، كنت أحيانًا أتصرف بعدائية تجاهه إن وجدت منه أي ملمح للتودد أو بسط أجنحة حنانه الذكوري نحوي. كأني أقول له توقف، لا تفسد ما أحاول أن أفعله، لا تقطع مسيرة روحي وتشوش رؤيتها وتحجب عنها الحقيقة، ألا تفهمني يا رجل؟ إنني أريد بلوغ الحقيقة. أريد معرفة نفسي، أريد أن أعي مراد الله مني، لماذا تشوش رؤيتي بحركات صبيانية؟

إنني أريد من أعماقي حقًا أن أتواصل معك، لكني أريد أن أخلع ثوب أنوثتي المخادع الذي يغوي ذكورتك، وأريد أن تخلع ثوب ذكورتك الذي يغوي أنوثتي، وأن نتواصل كإنسان وإنسان، بصدق حقيقتنا الداخلية، وليس بزخرف جنسانيتنا الخارجي.

وفي لحظة ما، بعد جهاد طويل، اعتقدت أنني وصلت أخيرًا، وقدرت على عبور المسافة التي تفصل بيني وبين ذاك الشاب، وقدرت على أن أكون أمامه كما أنا دون وجود أي عائق قد يحجب أو يشوش الرؤية، كانت روحي ظاهرة وتتواصل مع روحه، بحيث يمكنني أن أرى الله من خلاله ويرى الله من خلالي. وهذا ما أردته، وسعيت له من اللحظة الأولى. أردت ألا ينجذب إليّ لجمال في نفسي، أو ينظر إلي "أنا" ياعتباري غاية في ذاتي. بل أن يستمتع برفقتي بحيث لا يراني أنا بل يرى بي ويرى من خلالي. أن ينظر معي، إلى هذه السماء الرحبة، وهذه الجبال العاجية، أن ندرك سويًا معانٍ جديدة، ونتبادل أفكارًا عميقة، ونرتقي سلمًا طويلًا لا نتوقف عن الارتقاء فيه. ينظر "معي" لا ينظر "إليّ".

هذه هي الصداقة. وهذا هو الحب.

منذ تلك اللحظة، لم يعد هذا الشاب غريبًا، بل أصبح صديقي. عينان فوق عيني. وروح هي امتداد لروحي.

***

2-((ماذا علمتني هذه التجربة عن العفة؟ ولماذا كانت أحد الأمور التي دفعتني للالتزام بالحجاب؟)):

بعد تلك الحادثة عدت مرة أخرى للحياة اليومية، كنت ما زلت أتلقى دروس الثانوية العامة، وأذهب للمركز التعليمي باستمرار. أذهب بهيئة أنثوية رقيقة تليق بعمري، تنورات وبلوزات جميلة وشعري مفرود على كتفي، ورغم أنني دائمًا أظهر بهذه الهيئة لكني بت أشعر بغضاضة وشكوك تراودني، عندما أدخل إلى قاعة الدرس وأذهب لأجلس بأحد صفوفه، ثم أفكر بغريزة الأنثى للحظة أنه ربما هناك ولد بين هؤلاء الأولاد في الصف المقابل لي، ربما ينظر إليّ أنا تحديدًا دونًا عن كل الفتيات ويقول بينه وبين نفسه: آه.. ما أجمل هذه الفتاة.. كم هي رقيقة!

إنه خاطر، لابد قد خطر ببال كل فتاة، إنه فطرتنا وما جبلنا عليه، ولا أرى عيبًا في ذاتي أن أفكر بهذا الشكل أو يخطر لي مثل هذا الخاطر لإنه جزء من طبيعتي وهويتي وفطرتي، لكني أخذت أفكر، هل حقًا أنا انتظر هذه النظرة أو سأسعد بها؟ نعم إنني أنتظر نظرة ما بفطرتي التامة، لكن مِن من هذه النظرة؟ هل من أي شخص؟ هل من زميل درس؟ في قاعة الدرس لا أحد يعرفني إطلاقًا، أنا مجرد بنت كأي بنت أخرى داخل القاعة، فهل إن حدث ونظر لي أحدهم بنظرة، هل سيقصدني أنا تحديدًا بها؟ أم سيقصد بنتًا من ضمن البنات؟ هل هذا ما أنتظره؟ لا أظن أن هذا هو المنتظر. إذًا لماذا أترك باب هذه النظرة متاحًا من الأساس؟ وأنا أعلم تمام العلم، أنها نظرة ساذجة، وليست صادقة إطلاقًا.

كانت هذه الخواطر تشوشني، وكنت أتوق للحظة الصفاء التي عشتها مع صديقي، حيث لم تكن هناك خواطر ولا أفكار تشوش أو تعوق، أردت لو أستنسخ لحظة الصفاء والعفة وراحة الصدر التي عشتها معه وأكررها كل يوم مع كل الناس في كل وقت، مع زميل الدرس ومع عامل البوفيه ومع سائق الميكروباص، أن أتعامل مع كل هؤلاء بسلامة صدر تامة وبساطة واحترام. وأكون صادقة في تعاملي معهم بأكبر قدر ممكن.

لكن كيف؟ كيف يمكنني أن أعيد هذا الشعور وهذه الراحة؟

هل عليّ أن أبذل كل المجهود الذهني والعاطفي والروحي الذي بذلته مع صديقي مرة أخرى مع كل رجل أو ولد أصادفه؟

صحيح أن تجربتي مع صديقي كانت استثنائية وفي ظروف استثنائية والمجهود المبذول فيها من روحي وتفكيري استثنائي لن أستطيع أن أفعل نفس الشيء عشرات المرات في اليوم الواحد. لكني حاولت أن أفهم جوهر ما حدث مع صديقي وأحاول أن أطبقه بطرق مختلفة مع بقية الناس.

في البداية اعتقدت، أن ما حدث مع صديقي أنني ألغيت أنوثتي وذكورته أساسًا. لكن سرعان ما اكتشفت أن تفسيري هذا كان خاطئًا. لسببين، السبب الأول: أنه من المستحيل أن نتمكن من إلغاء الأنوثة والذكورة ولو لوقت قصير لأن ذلك ضد الطبيعة. والسبب الثاني: أنني لم ألغي جنسانيتنا، بل ما أظن أن ما حدث هو العكس تمامًا. فقد قمت وقام معي في عملية متواصلة متبادلة بمحاولة الوصول لعمق كل منا. وفي عمقي أنثى، وفي عمقه ذكر. أنا كنت أريد فقط أن أتخلى عن القشرة الزائفة للمظهر الأنثوي، لا أن أتخلى عن جوهر الأنوثة ذاته!

أعرف تمامًا أن هذه النقطة في المقال تبدو معقدة، لكني سأحاول فك العقدة في القادم منه! ولفك العقدة ومحاولة إزالة الالتباس على القارئ، سأسوق بعض الأمثلة وقصة شخصية لتوضيح فكرتي.

3- ((الأنثى الكامنة بداخلي)):

قبل بضعة أشهر، كان لدي فرصة في أن تقوم مصورة مبدعة بتصويري، وكان موضوع الصور هو "العلاقة بالجسد"، وتعين عليّ آن ذاك أن أتكلم بصوت عالٍ عن جسدي، وأفكاري عنه، ومخاوفي، وعلاقتي به في إطار مجتمعنا الشرقي، وأن أحاول تخيل، كيف يمكن أن أجسد كل تلك الأمور في لقطة فنية إبداعية، وأن أستخدم رموزًا وحركات توضح أمورًا عميقة في علاقتي بجسدي.

وبعد أيام من التفكير، توصلت إلى تصوري عن نفسي إن أحببت أن أضعني في مشهد فني، ورأيتني كالآتي:

فتاة عارية تقف أمام مرآة طويلة، يبدو شكلها عاديًا جدًا، شعرها ملموم في ضفيرة. إنها في بداية عمرها، ومن الواضح كم هي "صغيرة".

لكن: إنعكاس هذه الفتاة في المرآة مختلف! فهي في المرآة تقف شامخة بجسدها العاري، مليئة بالزهو والفخر وكل خلية في جسدها تنبض بالحب. وربما على كتفيها جناحين كالأجنحة المستخدمة في الرسوم الفرعونية. هذا بالضبط سيليق بي، هذا الشكل الفرعوني سيليق بسمرتي.

قلت لصديقتي: إن هذه الفتاة، المنعكسة في المرآة، هي الأنثى الكامنة في داخلي!

فسألتني: هل ذلك يعني أنك تشعرين أنك سجينة جسدك ومجتمعك؟ وأن بداخلك أنثى مكبوتة؟!

فأجبت: لا! لست سجينة ولا مكبوتة، من أين جاءتك فكرة الكبت هذه؟

قالت: الصورة التي تخيلتها أنتِ توحي بذلك: فتاة بضفيرة، تنعكس في المرآة على هيأة امرأة جامحة بجناحين!

فأجبت: لكني لم أقصد إطلاقًا بهذا التصور أن أرمز إلي سجن أو قيد أو كبت، بالعكس تمامًا، قد أردت أن أقول من خلاله، أن كل بنت بداخلها امرأة جامحة بجناحين، وأن شكلها الخارجي ليس هو مقياس أنوثتها، لا يهم عمرها، لا يهم حجم جسدها، لا يهم إن كان شعرها مسدلًا أم معقوفًا في ضفيرة، لا يهم لون بشرتها، نحافتها أو امتلائها، فهناك خلف كل ذلك أنثى في داخلها، كتلة متحركة من العاطفة والأمومة والحياة، تنتظر اللحظة التي تفيض فيها بهذا الحب، وتخلق الحياة من حولها.

وأكملت حديثي: عندما أنظر لجسدي غالبًا ما أسأله: متى سأفهمك؟

أعرف أنك لست مجرد جسم، أعرف أنك دورة من الحياة والموت والحب والشقاء، أعرف أنك خصوصي جدًا، حتى إن بدوت عاديًا ومتشابه مع كل بني فصيلتك. لكني أعرف أن لك بصمتك الخاصة، وأن لكل جسد على حدة بصمته الخاصة. أعرف أن جمالك جوهري، جمال في تكوينك ذاته، في إمكانية أن تصبح ملجأ لأناس آخرين، أو أن تكون الرحم وطريق العبور لهم إلى الحياة. أعرف عنك ما ظننت يومًا أنه كثير، لكنه يتضح لي الآن أني لا أعرف عنك سوى أقل القليل وأنك مازلت مغلقًا ومبهمًا بالنسبة إليّ. أعرف أنك كتلة من الحنان والعاطفة والجمال سأكتشفها في كل يوم من حياتي. جمالك يكمن في ذاتك. والأنوثة الكامنة فيك هي معنى ضخم، لا يتم حصره فقط في شكل خارجي في أعين الغير.

يمكن أن تكون الأنوثة في المظهر الجميل نعم. يمكن أن تكون في الشعر المصفف بعناية والشفاه الملونة. لكني أرى أنوثتي في أمور أكثر حميمية. أرى أنوثتي في حبي لصديقاتي وعنايتي بهن وحرصي عليهن. أرى أنوثتي في أمومة تكبر معي كلما أكبر. أرى أنوثتي في فكر متميز ممتزج بنظرة للحياة هي نظرة أنثى. وأراها في حب رقيق متعفف في قلبي. وأراها في أطفال سيكونون يومًا أطفالي، وعالمًا، سأنسجه بدفئي وجمالي. فإن الأنوثة أمر، والقشرة الخارجية البراقة التي نحيط بها أنفسنا ربما تكون أمرًا مختلفًا تمامًا عن الأنوثة الجوهرية.

القشرة الخارجية الكاذبة، التفاصيل التي نحاول أن نرى بها أنوثتنا في أعين الآخرين، بزينة أو فعل وتصرف، كأن أنوثتنا تنحصر في نظرتهم. كأننا نريد أن نقول: أنا هنا، أنا أنثى.

في حين أن أنوثتنا هي في الحقيقة شيء عميق وجوهري أكثر من ذلك بكثير. فأنا يا جسدي في غنى عن نظرة إليك لا تعرفك وتحصرك وتحاصرك.

وبالعودة لموضوعنا الأول، وهو تفسيري لما حدث مع صديقي، فأنا كنت أريد لصديقي أن يشيح بنظره عن هذه القشرة الكاذبة فقط. لكني لم أكن أطلب أبدًا أن أقتل أنوثتي الجوهرية أو أقتل ذكورته الجوهرية أيضًا. لأن هذه أمور لا يجب أبدًا أن تقتل. إنما فقط أريد أن أرفع حجاب السذاجة والانجذاب الأبله بيننا. ليتثنى لنا أن نرى أمورًا أعمق!

وإذن.. فإنني إن أردت استخلاص جوهر ما حدث معه، فربما يكون هذا الجوهر هو إدراكي التام لنفسي وله، واحترامي الكامل لنفسي وله. وبشكل ما، إنني كنت فعلا أنزع القشرة الخارجية المزيفة عني وعنه. لكني على نحو آخر، بينما كنت أتعامل معه كإنسان وأرغب في التواصل الفكري معه، فإنني في ذات الوقت كنت أعترف بأنوثتي واختلافها وجوهرها وكونها جزء أصيل فيّ وفي إنسانيتي، وبدلًا من أن ألغيها، كنت أدركها أكثر وأكثر أمام ذكورته، لكني كنت أقوم بتغطيتها بحجاب رقيق!

حجاب رقيق؟ أليس هذا أيضًا لفظًا مبهمًا؟ معك كل الحق عزيزي القارئ، لكني سأحاول أيضًا إيضاح كل هذا اللبس في الفقرات القادمة من هذا المقال.

4- ((ارتدائي للحجاب)):

لم أقصد بكلمة "حجاب رقيق" الإشارة إلى زي الحجاب الإسلامي المتعارف عليه، بل قصدت عمومًا وجود أي نوع من أنواع الحشمة والوقار الذي يكتنف المرأة والرجل في تعاملهما سويًا.

لكني مع بحثي الدائم عن سبيل وجود هذه الحشمة مع كل الناس وفي كل وقت (كما ذكرت في الأعلى) فإنني كنت أجد بداخلي أمرًا شديدًا يدفعني بشكل واعٍ ولا واعٍ في ذات الوقت إلى ارتداء الحجاب كـ"زيّ" و"رمز ديني"، وأن أختاره معينًا لي في حشمتي. مع شعوري بأني سأجد فيه الحل الصعب/ السهل الذي أبحث عنه.

كان الموقف عجيبًا جدًا، فقد استقيظت للخروج إلى رحلة للحسين، وراودني شعور غريب من نوعه، أنني لا أريد أن أنزل إلى الشارع دون حجاب. وقفت في جامع الأزهر أمام الشيخ محمد الذي أقابله للمرة الأولى، أبكي، وأقول له من وسط بكائي: "إنني لا أريد منك النصح ولا أتحدث إليك لأجد أي إجابة، لكني أريد أن أتحدث فقط. فقط. بلا هدف."

أخبرته أنني قد خلعت الحجاب بإرادتي الكاملة منذ أربعة سنوات، وأنني الآن على وشك إرتدائه بإرادتي التامة أيضًا. وقد كنت مثقلة بالمشاعر التي تجعلني أستمر في البكاء والرجل ينظر إليّ بعينين فائضتين بالحنان والأبوة. أخبرته أيضًا في أني مازلت أواجه بعض الإشكاليات في قصة الحجاب هذه، وأنني حائرة في نظرتي للجسد، فأنا مثلًا أحب الرسم العاري وأجد فيه جمالًا خاصًا، فهل هذا ضد إيماني بالحجاب؟ أم أنني ربما أتوصل لرؤية مختلفة للأمر في ما بعد؟

وأكدت عليه أنني لا أنتظر منه أي نصح، فأنا أعرف طريقي تمامًا، أعرف أنني سأخرج من هذا المسجد لأشتري حجابًا. أعرف أنني سأفعل ذلك وأنا عازمة عليه من كل قلبي.

وخرجت أهرول، قطعت الكثير من الشوارع حتى وصلت إلى محل يبيع قطع الحجاب. اشتريت حجابًا أحمر ولففته داخل المحل، وخرجت إلى الشارع!

كان أمرًا غريبًا.. دفعني لسؤال نفسي: لماذا فعلت ذلك؟ لماذا الحجاب بالذات؟ وما معنى الحجاب؟

الشوارع من حولي مكتظة بالفتيات، كلهن يرتدين حجابًا كحجابي، لنا كلنا نفس الهيئة، لكن ما معنى هذه الهيئة؟ وهل لدينا كلنا (أنا والفتيات الأخريات) نفس الإدراك لمعنى وحقيقة هذه الهيئة؟

وسرعان ما وجدت نفسي أمام أسرتي وأصدقائي، الذي لم أخبر أحدهم منهم قط أنني أنتوي الالتزام بالحجاب. سألني أخي: لماذا ارتديتيه؟

قلت: هو أمر يصعب علي شرحه، لكن دعني أقول لك، أنني في الأساس من فترة طويلة أعيش الحجاب في داخلي، أنا محجبة في قلبي، وفي تصرفي، والحجاب كشكل خارجي بالنسبة إليّ هو تكملة لما هو في الأساس أمر قلبي وروحي تمامًا.

قال: مبروك..

قلت: لا أحب أن تبارك لي على ارتدائي للحجاب في ذاته. بل أحب أن تباركني لأنني أفعل ما أصدقه عمومًا. أيًا ما كان هذا الذي أصدقه.

لكن يبقى السؤال: ما هو الحجاب هذا الذي ارتديته؟ وما تفسير ما حدث مع صديقي؟ وما هي العفة؟ مازلنا نبحث ونفتش بقوة عن الإجابة خلال هذا المقال.

5- ((قال حسين صدقي: "الفتنة دي حاجة جميلة!")):

في فيلم لحسين صدقي تقف أمامه فتاة في ثياب رياضية قصيرة، فاعترض الرجل وقال أنه لا يمكنه الوقوف معها مادامت في هذه الهيئة. فاستعجبت الفتاة وقالت ألستم أنتم المسلمون تريدون ألا يكون هناك شهوة وفتنة؟ عندما يتعامل الرجل والمرأة مع بعضهما البعض وترتدي المرأة ما تشاء سيصبح هذا معتادًا مع الوقت، وستزول الفتنة!

فاستدرك الرجل قائلًا أن الفتنة في ذاتها جميلة وأننا لا نريد لها أن تزول، بالعكس، نريد أن تظل موجودة وحاضرة، لكن في إطارها الطبيعي، الذي قال أنه "الزواج".

سنواجه أزمة بكل تأكيد إن أطلقنا قولًا عامًا بأن الحجاب معناه "أن ترى المرأة كإنسان وليس كجسد"، لأن على الجانب الآخر، الرأي الذي هو ضد الحجاب بالكلية، حجته أيضًا أنه يريد "أن ترى المرأة كإنسان وليس كجسد". ولن ننتهي من هذه الدائرة المعادة والعقيمة إلا إن وصلنا لتحديد أصلًا لماهية هذه المرأة التي نريد أن نعاملها كإنسان؟!

لا أعتقد أن العري في حد ذاته هو ما يجعل المرأة مجرد جسد. حيث أنه من الممكن جدًا أن أرتدي ثيابًا كاشفة لكنها لن تكون بالضرورة مثيرة أو تقوم بابتذال جسدي. مثلما نرى السائحات عندنا في مصر بثياب كاشفة لكنها بسيطة جدًا وغير ملفتة في حد ذاتها.

وعلى هذا النحو، لا نستطيع أن نجزم أن الحجاب هو الإنسانية والعري هو الابتذال والعهر. أو العكس، أي أن يكون عدمه هو الإنسانية.

لكننا يمكننا التحول إلى نقطة أخرى، وهذه النقطة تقول أن من الممكن فعلًا ألا يكون العري فاحشًا، بل من الممكن حتى ألا يكون فاتنًا. لكن كونه غير فاتن هذا في حد ذاته مشكلة.

لقد سبق وشرحت في الفقرات الطويلة السابقة، كم أن أنوثتي هي جزء أساسي في تكويني. وإني لا أستسيغ فكرة أن أكون مضطرة إلى فقد هذه الأنوثة أو تطويعها بأي شكل حتى أندمج وسط الرجال. أي أن أحاول أن أجعل جسدي محايدًا، لا ذكوريًا ولا أنثويًا صارخًا. فإنني في هذه الحالة أفقد هويتي وتميز أنوثتي. وسيفقد الرجل أيضًا تميزه، لأن رجولته لن توجد إلا في وجود أنوثة مكتملة.

فليس الهدف أن يزول الفارق بين الرجل والمرأة، ولا أن تدهس الحياة اليومية حنانها وأنوثتها، ولا أن تدهس الحياة اليومية قوة الرجل وطابعه الذكوري. وإن أزلناهما، ظنًا منا، أن هذا سيجعل التواصل بين الجنسين أسهل وأكثر إنسانية، فإننا نكون مخطئين، لأنه سيصبح محض تواصل وتفاعل مشوه ومنقوص.

ليس الهدف أن يزول جمال المرأة أو يتم تحجيمه، بالعكس، الهدف أن يكون هذا الجمال موجودًا طوال الوقت، بل وأن يتم توفير البيئة المناسبة لنموه وازدهاره وتحسينه والتعرف عليه بعمق، من الداخل ومن الخارج أيضًا. فالمرأة في تعرفها على جمالها الظاهر تتعرف على جزء كبير من جمالها الداخلي وجوهر أنوثتها ووجودها. فالأصل أن تكون جميلة، ثم بعد ذلك تظهر هذا الجمال في مواضع وتبطنه في مواضع وظروف أخرى بما يقتضي كل ظرف وكل حال.

والحجاب، لا يعني أن الجمال زال، بل معناه أنه موجود لكنه باطن غير ظاهر للنظر، لكنه موجود ومعترف بوجوده، والحجاب هو جزء من هذا الاعتراف، فهو فعلًا زيّ جنسي، لكن بالمعنى الجيد لا السيئ، أي أنه يوضح ويشير ويتضمن في معناه أنه هناك جمال موجود بالفعل لكنه باطن الآن في هذه اللحظة لأنه لا يجب ولا يفيد في شيء أن يتم إظهاره حاليًا. ويتضمن أيضًا، أن كل من الرجل والمرأة، معتد بنفسه، وبتميزه، ومدرك لذاته، ومحترم أيضًا لمساحة ووجود الآخر ومدرك له.

وبذلك حين يتواصل رجل وامرأة، فإنهما يتواصلان بقدر المسموح به من شروط تحافظ على كيان كل منهما وعلى تميز كل منهما. والصداقة بينهما تأخذ معنى مختلفًا عن الصداقة بين شخصين من نفس الجنس، حيث أن الصداقة لا تعني تجاوز كل منهما للآخر، أو تجاهل تميزه الجنسي، بل معناه الإقرار به واحترامه. فتصبح الصداقة محددة بهذه الحدود ومشروطة بهذه الشروط. شروط احترام الاختلاف. واحترام المسافة. وعدم تعديها. ووجود "حجاب رقيق" بينهما.

أما الصداقة العميقة، التي لا تحد بحد ولا تشرط بشرط، فإنها حين تحدث بين شخصين من جنسين مختلفين، أي بين رجل وامرأة، فإن هذه الصداقة هي الحب بحد ذاته. أن يستطيع رجل وامرأة التواصل بشكل كامل بلا أي شروط، بانفتاح تام بين عقليهما وقلبيهما وروحيهما، فإن هذا معناه أنهما ببساطة واقعان في الحب. أو يمكننا أن نصيغها بشكل آخر ونقول: أن الحب الحقيقي ما هو في الأساس إلا صداقة متينة.

وربما هذا هو تفسير ما سبق. 

 وبشكل ما أيضًا أستطيع أن أجيب عن سؤال العفة إجابة مبدأية ومختصرة جدًا وأقول أن العفة هي هذا الوعي وهذا الإدراك لأنفسنا وللطرف الآخر وتقديرنا التام لأنفسنا وللطرف الآخر.
لكن يبقى سؤال العفة هذا مفتوحًا لكثير من الإجابات التي أظن أنني سأعرفها وأصل إليها في وقت لاحق.. 

أما عن سؤال: لماذا ارتديت الحجاب؟ ولماذا أتمسك به؟ وما الذي يدفعني للتمسك به يومًا بعد يوم؟ ألن أمل يومًا هيئتي وأفكر في هيئة أخرى؟

لكني أتوصل ضمنيًا، بعد كل هذا الشرح والتوضيح والتنظير والتحليل، إلى أن الفكرة وراء الحجاب أكبر من مجرد مظهر، هو جزء –مجرد جزء- من رؤية وفلسفة وفهم لطبيعة الحياة وعنصريها الذكر والأنثى، وهذه الرؤية لن تتحول إلى واقع بمجرد كوني أرتدي ثوبًا طويلًا وألف قطعة قماش حول رأسي. بل إن الأمر يبدو لي مثل رحلة أقطعها في سبيل اكتشاف الحياة واكتشاف أنوثتي وماهيتي، وفهم رجولة الرجل وماهيته، وبالتالي فهم آية من آيات الله في كونه وبالتالي.. شكره وعبادته..

في أيام كثيرة كل ما أريده أن أنزل إلى الشارع وأعبر الطريق وأنا أضع أحمر شفاه أو خطًا يكحل عيني، ليس لأي سبب غير أن ذلك ببساطة يمنحني ثقة ما، وغالبًا ما أطاوع هذه الرغبة وأنفذها، وفي اللحظة التي أقف فيها إلى المرآة لأضع أحمر الشفاه غالبًا ما أسأل نفسي.. ما الحجاب يا إيثار؟ هل الحجاب هو أن تضعي هذه الطبقة الحمراء فوق شفاهك أو ألا تضعيها؟ ودائمًا ما أجيب.. لا أعرف، لكني أعرف أن الحجاب رحلة سأكتشفها أنا وأنتِ يا إيثار، وأعرف أنني مازلت أتلمس بدايات الطريق وبدايات الرحلة.