الثلاثاء، 29 ديسمبر 2015

عن الجسد: كتلة الألم ومحاولات الخلاص

نشر هذا المقال على موقع ساسة بوست في 7 ديسمبر 2015
الرابط من هنا.

***
كالعادة، أنا في هذه المقالات، أدوّن أفكاري وعاطفتي في آن واحد، ولا أستطيع فصل إحداهما عن الأخرى.
لذلك سأبدأ بالجزء العاطفي: منذ أربعة أعوام تحديدًا، مثل أي بنت تكبر وتبلغ بدأ وعيي بجسدي يتشكل، أو بمعنى أدق: وعيي بـ"الألم الجسدي"، الألم العميق، الذي يحتل المشهد فجأة وبدون مقدمات. حالة عامة من التوتر المنبعث من الجسد والمنصب على الجسد. تبدأ أسئلة حول الشكل، هل شكلي جميل؟ أسئلة حول المجتمع، كيف يجب أن أتصرف مع من حولي من خلال هذا الجسد الجديد؟ ماذا ألبس؟ وكيف أتصرف؟ ولماذا أنا ضجرة أغلب الوقت؟ كيف ينظر الآخرون إلى جسدي؟ لماذا جسدي يسبب كل هذا التوتر وكل هذه الأسئلة وكل هذا الألم؟

عند تلك النقطة الحساسة كنت أشعر بحالة عامة من الانفصال بيني وبين جسدي الجديد، فأنا لا أفهمه، وهو متعب ومتقلب أغلب الوقت، وصرت أكثر عزلة وأكثر قلقًا في التعامل مع الناس من خلاله، ثم في مرحلة تالية، جربت –مثلما جرب معظم الفتيات- أن أرتدي ملابس واسعة تغطي كل جسدي مع وضع غطاء على رأسي "ما يسمى بالحجاب"، فعلت ذلك كما تفعل أي فتاة في سني، لأنها سمعت من محيطها العام أن الحجاب شيء جميل وواجب على كل بنت، أحببت ذلك لفترة فعلًا، لكن بعد وقت ليس بطويل كنت أكبر وأتغير وأتشكل وأبني أفكاري المختلفة عن السائد، فصرت حقيقة لا أفهم هذا الحجاب، هذا القماش الذي بدا بلا معنى بالنسبة إليّ وقتها. يقول البعض الحجاب فرض، يقول البعض الآخر الحجاب ليس بفرض، يقول البعض الحجاب مهين للمرأة، يقول البعض الآخر الحجاب تكريم للمرأة، وقال لي أحدهم ذات مرة: "الحجاب مهم، أنت كفتاة جسدك كله مفاتن قد تفتنني كذكر" وقد أضجرني هذا القول جدًا، ولم أرغب حتى في مناقشته.

كنت أفكر: أحقًا كل الغرض من الحجاب ألا أثير غرائزك؟ حسنًا لماذا إذا لا تتحجب أمك وأختك أمامك حتى لا تثيرك؟ وبنتك؟ ألسن كلهن يمتلكن أجسادًا أنثوية؟ وإذا كان الحجاب حماية لي من عينيك، فبعض الأموال والحياة المرفهة، قد تضمن لي حماية كاملة وحصانة ولن أضطر لارتداء الحجاب! وما علاقة كل ذلك بـ"الله"؟ لماذا يريد الله منا أن نغطي أجسادنا؟
في العموم هذا كله لم يهمني كثيرًا، ولم أقف أمامه كثيرًا، أنا كنت أتألم جدًا تجاه جسدي وكنت أبحث عن الفكاك من هذا الألم، كان التوتر يتفاقم، صرت أكره الثياب كلها وليس الحجاب فحسب، كنت أقضي وقتًا طويلًا وحدي متخففة من ثيابي بحثًا عن الخلاص من هذا الألم، ولم يكن ذلك يجدي نفعًا فحتى جسدي بدون ثياب يثير توتري. كنت عندما أنظر إلى وجهي في المرآة والحجاب ملفوف حوله يصيبني الجنون، كنت أشعر أن هذا الحجاب صندوق من الحديد يحيط برأسي، وبرأس كل الفتيات حولي، الفتيات في المترو يرتدين صناديق من حديد، الفتيات في المدرسة داخل صناديق من حديد، الفتيات في كل مكان داخل حديد حديد حديد..
عند هذه النقطة، كنت قد سئمت تمامًا، وقررت خلع الحجاب، كنت أبحث عن نوع من التوافق بين ما بداخلي: ذاتي الداخلية، وبين مظهري الخارجي، واعتقدت أن عدم ارتداء الحجاب هو ما سيمنحني ذلك "التوافق"، وسيجعلني طبيعية أكثر، ومنطلقة أكثر، وغير مقيدة، ولكن ذلك.. للأسف.. لم يحدث! عدم ارتداء الحجاب أيضًا لم يجدِ نفعًا ولم يخلصني من أزمة الجسد والتوتر الدائر حوله.

مازال الألم الممل..

ما الحقيقة في ذلك؟ ما هو الانسجام الحقيقي مع الجسد؟ وهل هناك هذا الانسجام حقًا أم هو محض خيال وأمانٍ؟
في هذه المرحلة من حياتي، بعد عامين أو ثلاثة أعوام بدون حجاب، وبعد أن مررت بتغيرات عدة، أنا الآن قد سلمت لفكرة أن هذا التوتر الذي يلازمني ناحية جسدي –ويلازم معظم الفتيات- ليس السبب فيه هو الملبس وليس السبيل للتحرر منه هو التخفف من الملابس أو تغطية الجسد كاملًا حتى لا يبين منه شيء.
إن التحرر من هذا التوتر الدائم متعلق بفهمنا لطبيعة هذا التوتر. أرى التوتر ناحية الجسد شيئًا مستمرًا ولا نهائي، وقد يرتقي ليكون جزءًا أصيلًا من ماهية الجسد الأساسية، أرى الجسد في ذهني عبارة عن كتلة من الألم والتوتر، نحن نولد بفضل الألم الذي تكابده أمهاتنا للمجيء بنا إلى الحياة، وفي كل لحظة منذ ولادتنا نحن نتألم، كل ما يقوم به جسدنا من عمليات أكل وشرب وإخراج وتنفس ينتج عنها الألم، حتى إن اللذة الجنسية ناتجة عن الألم، دورة الحياة في أجسادنا ودورة الطمث في أجساد الفتيات وكل شيء كل شيء هو في حقيقته ألم محض.

إذن إن الألم هو جزء من حياة وتكوين هذا الجسد، وبدون هذا الألم يكون الجسد ميتًا لأن الألم لا يتوقف إلا ساعة الموت.
وعندما أدركت ذلك توقفت عن محاولة التحايل عليه وقهره، وتحولت إلى محاولة التأقلم معه وإدراكه دون جزع أو ضجر.
من خلال تقبل لحظات الألم والتوتر الكبرى وتركها تمر كشيء لا مفر منه، وباحترام جسدي واحترام احتياجاته وعدم محاولة إرغامه على أن يوضع داخل قالب معين لإرضاء الناس والمجتمع، لست مضطرة لأكون جميلة طوال الوقت، أو صافية الذهن طوال الوقت، لست مضطرة لأكون البنت عديمة المشاعر والمصمتة والتي لا تتحدث في أمور الجسد لأبرهن على عفة جسدي وأحاكي النموذج المنتظر للبنت "المحترمة"، ولست مضطرة لارتداء ملابس لا تناسبني لمجرد أنها ستجعلني أجمل في عيون الناس أو أكثر انفتاحًا وعصرية. وأن أتخفف من الألم أيضًا خلال محاولة الاندماج مع العالم من حولي، صحيح أن هذه المدينة لا تكثر فيها مظاهر البيئة الصحية والأشجار والشوارع المريحة الذي يحب الإنسان الاندماج معها، صحيح أن المياه في الصنبور رائحتها كرائحة مياه المجاري تمامًا وأحيانًا يكون لونها غريب أيضًا، لكني حقًا –حقًا- أحاول أن أجعل جسدي يتفاعل مع هذه البيئة دون ضجر، أفكر فقط أن هذا قدري، هذه المياه قدري، وهذه الشوارع قدري، وأني سأقبلها كما هي، وسأعلم جسدي أن يرضى، أن يتأقلم مع كافة الظروف وكافة أشكال الحياة، أن يحب الأتربة والجلوس على الأرض والأرصفة كما يحب السرير النظيف الوثير الدافئ.
***
وعدت، مرة أخرى، لمحاولة النظر إلى الحجاب بعين جديدة، وروح وذهن أكثر انفتاحًا عن ذي قبل، قررت ان أنسى كل ما قرأته أو سمعته من مجادلات وصراعات حول الحجاب، وأن أسأل نفسي بصدق، ما هو الحجاب؟
وكان يلزم قبل ذلك أن أسأل نفسي بصدق: ما هو الله؟ وما هو الدين؟
وأجبت بصدق: الله هو الحقيقة القصوى بداخلنا يا إيثار.

إن الله بداخلي له صوت أعلى من كل الأصوات الخارجية، ومن حقي أن أستفتيه، وأن أحاول استنباط فهم مختلف يريح قلبي، من حقي أن أسأل نفسي، إن كان هناك دين، إن كان هناك حجاب، فيا ترى، لماذا هذا الحجاب هو عبادة وأمر مقدس؟
وجاوبت نفسي علي كالتالي: إننا كإناث يا إيثار جميلات، وأنت تعرفين ذلك، خلقنا لنكون جميلات، في تركيبنا وفي فكرتنا وفي مظهرنا، وجزء كبير نسبيًا بداخلنا يدفعنا لتكثيف جمالنا المظهري، وإبرازه، وليس من عيب في ذلك بلا شك. إنه جزء منا. والإفراط فيه قد يجعلنا نصل لأن نحصر الأنثى كلها في المظهر الخارجي فقط.
وفي العموم فكرة "إبراز الجمال" هذه، حتى في إطارها المقبول والطبيعي والمعتدل، فهي تحمل داخلها نوعًا من أنواع التوتر، والسؤال الدائم عن "ماذا أكون في عيون الآخرين؟"
وإذا نظرنا إلى أمر التوتر حول الجسد الذي يلازم الأنثى نفسها، فإني أرى يا صغيرتي أن الحجاب قد يكون نوعًا من أنواع تخفيف التوتر نحو الجسد من خلال إعلاء قيمة الروح على قيمة الجسد، أي أن الحجاب هنا، هو تخفف روحي من كل هذه الأفكار وكل هذا التوتر، هو عقيدة، التي قررت أن تعتنقها –في وجهة نظري- يجب أن تنشد من خلالها الوصول لشعور بأن جسدها ليس هو ذاتها الحقيقية، بل هو مظهر خارجي، وأنها تريد تهميش هذا المظهر وفق خطتها في السمو بروحها، وخطتها هذه بالتأكيد تشمل مجموعة من الممارسات الروحانية التي لا تقتصر على الحجاب فقط.

إنها تؤمن بذلك في كل الأوقات، في بيتها، وفي الشارع، وسط الرجال ووسط النساء، هي تدرك طوال الوقت قيمة روحها وتحاول الاتصال معها بشكل أكبر، إرضاء للحقيقة التي بداخلها، التي تحاول الاقتراب منها، وهي "الله".
وهذا الحجاب متعلق بالأنثى وبتعاملها مع ذاتها وبعلاقتها بربها أكثر مما هو متعلق بالذكر وشهواته.
وهذا أيضًا يعني –في وجهة نظري- أن الحجاب أمر راجع كلية للمرأة، وهي وحدها التي لها الحق في تقرير إن كانت سترتديه أم لا، وهل هي على القدر الكافي من الالتزام الأخلاقي والديني لذلك أم لا.

نعم الحجاب بهذه النظرة التي أراه بها أمر حسن، وعبادة نتقرب بها من الله، لكنها –ككل العبادات- من حق كل إنسان أن يختار الوقت والطريقة والأسلوب الذي يناسبه لتطبيقها، وعليه أولًا أن يشعر بحاجة ملحة لفعل هذه العبادة، حاجة نابعة من شعوره الديني الخاص والشخصي وليس لأي شخص آخر الحق في فرض أي عبادة عليه.
***
حين أراقب الفتيات في الشوارع وفي المدرسة وأفواج البنات في "السنتر" التعليمي، أتساءل هل هذا هو الحجاب؟ إنني لا أرى تلك الروحانية التي أبحث عنها، بل أرى نفس الصناديق الحديدية الذي أفجعتني منذ أعوام، أرى فقط فتيات في مقتبل العمر، لم يحظين بكثير من التجارب، ارتدين الحجاب لأنه لعوامل اجتماعية صار الحجاب هو السائد وهن يتبعن السائد. هن مطالبات بغطية أنوثة هن غير واعيات بها من الأساس، فقط ليكسبن لقب "محترمة". كيف يكون المرء مخلصًا في عبادته إن لم يكن واعيًا بها؟
الحجاب المنتشر حاليًا هو في ذهننا الجمعي تكريس لفكرة الجسد وليس تخففًا منها، هو يكرس لفكرة أن الأنثى قيمتها في مقوماتها الجسدية، وأنها ترتدي الحجاب لتزيد من ثمن جسدها، فالبضاعة المغطاة قيمتها أكبر من البضاعة المكشوفة، وصار البعض يتفنن في عرض هذه الفكرة، فمرة يشبهون الأنثى بالمصاصة التي إن تركت مكشوفة سيلتم حولها الذباب، ومرة يشبهونها بـ"التابلت" الذي يجب أن يغطى حتى لا يخدش! والشباب ينجرفون في أفواج وراء هذا الكلام. وعوضًا عن أن هذا المفهوم يهين الأنثى ويجعلها مجرد سلعة، فهو أيضًا يتنافى مع أي غرض روحاني يمكن أن تستنبطه أو تتأمله من الحجاب، ويحوله من عبادة روحانية للتقرب إلى الله إلى ممارسة اجتماعية تكرس لمفهوم تسليع المرأة والتعامل معاها كوعاء للجنس والشهوة، وتنفر الكثير منه وتخلق الكراهية نحوه.
***
هل سأرتدي الحجاب يومًا ما؟ إن وصلت لاحتياج روحاني حقيقي متغلغل فيّ لهذا الحجاب فسأفعل. وأعتقد أني لن أصل لهذه النقطة إلا بعد حسم الكثير من الجدالات والأسئلة التي تدور في ذهني حول تطبيق فهمي للحجاب على أرض الواقع، أسئلة لا أجد الإجابة عنها حتى الآن، مثل: ماذا لو كان الدين الحقيقي كشريعة ونصوص لا يطابق شعوري الديني الخاص؟ وما الذي يؤدي إليه الحجاب وسط المنظومة العامة التي تحكم وتحدد دور المرأة ووجودها؟ هل هو يدعم دورها؟ أم يحده؟ هل الشريعة في العموم تحد دورها وتجردها من إمكانياتها؟

لا أعتقد أن في أسئلة شديدة الحساسية مثل هذه سيكون الوصول للإجابة سهلًا، أو سريعًا، ربما يستغرق سنوات طوال، ويحتاج الكثير من المجهود والبذل الذهني والفكري.
لكني في كل الأحوال، سأظل، أثق في ما يخبرني به قلبي.


الأحد، 13 سبتمبر 2015

العلاقة الغرامية بيني وبين شخصية منير الغنائية

لوحة لمحمد منير، رسمتها بنفسي في أكتوبر الماضي


مجموعة ألبومات منير هي رفيقي الدائم الوحيد منذ السنوات الأولى لمراهقتي، وهي الحقبة العمرية المثالية لسماع (منير)، فلـ (منير) شخصية غنائية فريدة تجتاح كافة أغانيه، وتلك الشخصية جذابة جدًا بالنسبة لمراهقة صغيرة.

 منير يمثل من خلال أغانيه الشاب الصغير، المقارب جدًا للشاب المصري في بداية حياته بشخصيته وتناقضاته، وأحلامه الصغيرة، ووطنيته المستوحاة من الأشعار والأغاني والأناشيد الوطنية.

 مفردات أغاني منير بسيطة تلك البساطة التي توحي بالسذاجة أحيانًا، فيتكرر في أغانيه حديث عن: القمر والنجوم، الأشجار، البحر، الشطآن، عيون الحبيبة ورموشها الجارحة، طيور الحب، وصوت الناي.

هو الولد المغترب عن بلده في أغلب أغانيه، الذي يعاني ويقاسي في لياليه الطويلة من الغربة والترحال "والحنين القتّال" أو الـ"حنين الجتّال" كما ينطقها منير، ذلك الولد الغريب الباحث عن الحضن والشط والحنان والدفء يطلب من حبيبته الصافية أن تمد يدها لتمسك بيده لأن الطريق زحام وربما يضيعان من بعضهما في زحمة المدينة الصاخبة الحزينة، المدينة التي دفع إليها دفعًا وتاه فيها طويلًا.
حبيبة منير سمراء، وقد أتى على ذكر سمرتها وحلاوتها في أكثر من موضع وأكثر من أغنية، يقول لحبيبته أنه خائف وفي حاجة ماسة لحنانها: "ضميني خديني أنا لاجئ، ولأول مرة بكون صادق"، حنانها الموصوف في أغلب الأغاني أيضًا فمرة يقول: "في عيونك السمر بلقى روحي وكياني، ياللي الحنان سره هو حنانك" و"يا صبية يا.. يا حنينة" و"يا ضحكة العمر الحزين يا حنينة... أنا قلبي شارب من حنانك ما اكتفى" و"أنا بعشق البحر زيك يا حبيبتي حنون".

منير/ الشاب، يريد أن يكون هو وحبيبته في عالم صغير يضمهما، عالم خارج حدود الزمان والمكان والواقع، ويطلب منها أن تشاركه حلمه هذا، وأن تذهب معه في رحلته إلى الخيال.  يغازل حبيبته بكل الغزل العذري التقليدي، بداية من أن يغازل عيونها السمراء وخدودها الرمان، انتهاءً بمغازلة قلبها الشاطر، الغزل الذي يكون له وقع مختلف تمامًا حين يأتي من هذا الشاب الصغير التائه ذي الصوت المبحوح، والكلمات التي تأسر قلبها، وبعد أن تذوب الحبيبة السمراء تمامًا في غزله ويغرق قلبها في الضحك، وتمنحه كل الحب والدفء، تحل ضفائرها للهواء وتتمايل في بحور الهوى، تتمايل على كيفه، في سعادة غامرة  وسحر أسمر غريب، ثم تذهب معه إلى شاطئ النيل، وتسمع أحاديثه الطويلة عن بلادنا والناس الطيبين، يقول: كان يا ما كان.. 
فتقاطعه البنت: كان دلوقتي ولا زمان؟
 فيرد: (ما هو دلوقتي زي زمان!
 كانوا جماعة  في أرض وسيعة،
 فيها طبيعة وناسها الصافية
تروي الصحرا بعرق العافية
الأرض الساكتة تبوح بساتين!
الله الله!
قمح وياسمين!
يا ما شاء الله!
والناس عايشين بما يرضي الله
والناس عايشين..
بما يرضي الله.)

وماذا بيدي أنا المراهقة الصغيرة التي لم تحظَ بتجارب سابقة، إلا أن أقع في حبه؟ وأن أهيم بغزله الصبياني؟ وأزهو بغنائه لسمرتي الجميلة؟ وأن أخرج كل طاقات حبي وحناني استجابة لإلحاحه المستمر وتغنيه بجروحه وآلامه؟ ماذا بيدي أن أفعل عندما يقول لي "حبي كلي جروحي" إلا أن أحبها كلها وأحفظها في قلبي الصغير بكل صدق ووفاء ومحبة؟
وماذا أفعل تجاه أحاديثه الوطنية إلا أن أتحدث بها مثلما تحدث هو؟ في مرة أخبرت أخي أن أغاني منير جزء من وطنيتي وحبي لهذا البلد، فضحك مني، لكني كنت صادقة فيما أقول، لم أحب مصر كثيرًا في البداية، ووطنيتي الحالية مستحدثة، ولا أنكر أن العاطفة الوطنية في أغاني منير الممتزجة بالعاطفة للحبيبة السمراء هي من الأشياء التي أثرت فيّ بشدة.
حين أسمع منير أراه يغني لي، لي أنا تحديدًا، أرى نفسي البنت التي "حضنها دفا وقلبها وفا"، يقول: اتكلمي ولا ناديني.. صمتك كلام بيدفيني، فأجيب: حاضر يا حبيبي، وأفعل ما يطلب دون تفكير.

تعلق أختي على أغاني منير قائلة أن منير رمز لعدم الجدية وعدم الالتزام وأغانيه تتحدث عن الشاب الذي يبحث عن الحب السريع الطياري، الذي يهتم باللحظة الراهنة فقط ثم يترك حبيبته لينتقل لحبيبة جديدة، متعللًا بضعفه وآلامه، وأنا أرد على ذلك بأنه ربما  يكون صحيحًا بنسبة ما، لكن وإن يكن! يقول المثل خد صاحبك على عيبه، وأنا أقبل منير بعيوبه التي تبدأ بأنه يعيش دور المسكين والمجروح طوال الوقت ويبتز حبيبته عاطفيًا، وأيضًا أنه يعيش في عذاب طويل مع نفسه ويماطل فيه دون داعٍ، وأن أفكاره عن السعادة بدائية، وفي أفضل الأحوال هي أفكار مراهق لا يعرف ما ستفعله به الأيام وكيف ستفطر قلبه، فكيف يعتقد أنه عندما يفتح زر قميصه للنسيم والأماني أن ذلك سيحل من مشاكله وأمره شيئًا، أو سيوفر له المال، أو يحقق له أحلامه؟ وكيف يحاول إقناعي أن أذهب معه لبلاد لا تعرف الخداع؟ وهل يظنني ساذجة لأصدق هذا الكلام؟
لكنني أقبل صديقي على عيبه، بكل جروحه، كما يجدر بأية مراهقة أن تفعل، تمامًا.

الاثنين، 24 أغسطس 2015

المغارة المقدسة

حين فتحت عيني اليوم للحظة الأولى، وتركتهما تتجولان في الغرفة وبين الزوايا، رأيت أمورًا تتجسد في ذهني، أمورًا كنت أعرفها من قبل، لكني لم أرها من هذه الزاوية  التي تتجسد وتترابط أمامي اليوم من قبل، رأيت "الجنس"، و"الحب"، "والاغتصاب" في كيان مترابط له دلالاته ومعانيه. فمثلًا، قد سمعت كثيرًا مصطلح "الاغتصاب الزوجي"، والكلمة وحدها كانت كفيلة برفضي للاغتصاب الزوجي بالطبع، لكني وأنا أرفض لم أكن أدرك بشكل دقيق ما هو الاغتصاب الزوجي؟ 
حسنًا كنت أيضًا أسمع أن "الرجل يحتاج الجنس والمرأة تحتاج الحب" وكلما دخلت هذه العبارة إلى ذهني انطلقت صافرات الانذار.. دخيل! دخيل! دخيل!.. ذهني يصفر عند سماع هذه الجملة، كيف للمرأة ألا تحتاج الجنس؟ وكيف للرجل ألا يحتاج الحب؟ هذا الكلام مهترئ وغبي ومحدود جدًا بالنسبة إليّ، وكنت أنعت قائله بالغبي في اللحظة الأولى.
كنت كذلك قد عرفت معلومات وإن كانت غير كاملة ومحدودة -وهذا بسبب قلة المصادر التي تناقش ذلك بشكل علمي واضح ولأني لا أجيد قراءة الإنجليزية فلا أستطيع البحث عن مصادر بلغة أخرى- عن جسدي الأنثوي، عن تلك "الفتحة المخفية، المغارة التي تؤدي أحيانًا إلى المتعة، وأحيانًا إلى الألم، ودائمًا إلى اليأس" كما وصف خوان خوسيه مياس فتحة المهبل، هذا الوصف الذي صعقني، حيث لم أعرف كيف لرجل أن يصف ويتكلم بلسان أنثى عن جسدها وإحساسها به إلى هذا الحد؟
المهم، كنت أعرف أن هذه المغارة التي وصفها مياس هي لا تبين إلا كفتحة صغيرة تمامًا، ثم تتمدد لتدخل أشياء وتخرج أشياء، وأن عملية الدخول تحديدًا يلزمها أن تكون الأنثى مستعدة ومهيئة نفسيًا وجسديًا.
حسنًا حسنًا.. كنت أعرف كل هذه الأشياء، لكن ماذا حدث عندما فتحت عيني اليوم للحظة الأولى؟
رأيت هذه المغارة في ذهني، وبدت كمغارة مقدسة تمامًا، يقف على جانبيها العسس والحراس، ومفتاحها الوحيد هو "الحب".. ماذا؟ هل هذا يعني أن المرأة تحتاج الحب والرجل يحتاج الجنس؟ تقريبًا، لكن ليس بالشكل الذي يصوره المجتمع في ذهننا الجمعي، بمعنى؟ أن الأمر متشابك ومترابط ومتكامل، المغارة لكي تفتح أبوابها وترحب بالوافد بكل ود ومحبة تحتاج القبلات والكلمات واللمسات، التي تمثل "الحب".. بدون هذه القبلات واللمسات سيكون الأمر مؤلمًا أكثر من كونه ممتعًا. حسنًا حسنًا.. الأمر في ذهني تكون كالآتي: هذه المغارة، ذات الحراس، هي هدية من الطبيعة، هدية إلهية، لتعلمنا الحب، لتقول لنا: لن تحصلوا على المتعة إلا إن بذلتم الحب، ستجنون الألم فقط إن بخلتم بالحب. 
وهذا الخطاب غير موجه للرجل وحده، بل للمرأة أيضًا، لأنها في كثير من الأحيان تطمس هذه الرسالة وهذا الخطاب ولا تستمع إليه ولا ترى الحكمة في جسدها، لكنه موجه للرجل بشكل أكبر، لأنه الأقل لمسًا لهذه الحقيقة وأبعادها، لأنه لا يملك ذات المغارة، لأنه لا يشعر بذات الألم واليأس اللذين حدثنا عنهما "مياس"، لأن المرأة وحدها، إن كانت أمًا أو أختًا أو زوجة، هي القادرة على زرع هذا الحب في الرجل وتعليمه إياه، إن أدركت حقًا معنى أنوثتها والحكمة منها ولم تفرط فيها.
وبدا الاغتصاب انتهاكًا لهذا الجسد وهذه المغارة المقدسة، دون أي اعتبار أو احترام لها، لخصوصيتها وهويتها، ولا يفرق كثيرًا، إن كان هذا الاغتصاب من حقير يمشي في الشارع، أو حقير يجلس معي في نفس البيت، كله اغتصاب وكلاهما حقير.
وكلانا، رجلًا وامرأة، نحتاج الحب والجنس في آن واحد، بنفس القدر، لتستقيم حياتنا ونفوسنا.

سعاد، بطلة قصتي القصيرة التي لم أنته منها بعد، والتي أتحدث عنها أكثر مما أجلس لأكتبها، وأدعي أن الحديث عنها يسهل عملية كتابتها، امرأة متوسطة الجمال، في قرية صغيرة، متزوجة من رجل غريب ومستغلق على الفهم، هذا الرجل ينفجر فجأة في البكاء فتحتضننه سعاد كأم كبيرة ترمم ما به من كسور وألم، وهنا تحديدًا، تتخذ علاقتهما شكلًا جديدًا، وتعرف سعاد لأول مرة في حياتها معنى "النشوة"، و"المتعة". قصة سعاد هذه غيرت في نظرتي للأمور، هذا حقيقي وغريب، غريب أن تؤثر فيك وتغير منك بطلة قصة أنت نسجتها في خيالك، لكن هذا بالفعل ما يحدث معي أنا وسعاد، هذا الوضع العاطفي الغريب الذي نتج (الرجل ضعيف يبكي والمرأة أم تحتضن) استثار لذة معينة داخل سعاد، وأنا أكتب هذه الفقرات بين سعاد وزوجها، صرت في حيرة من أمري، هل هذا مشهد عاطفي أم مشهد جنسي؟ جنسي أم عاطفي؟ أم يا ترى عاطفي أم جنسي؟ لا أعرف لا أعرف!
لا أجد هذا الخط الفاصل بين ما هو "عاطفي" وما هو "جنسي"؛ الأمران متداخلان ومتماهيان بطريقة تصعب عليّ الفصل بينهما. ونقلتني قصة سعاد هذه لنظرة جديدة أو لنقل "إحساسًا" جديدًا وتذوقًا مختلفًا للعاطفة والجنس، وأقول "إحساسًا" لأنني لم أستطع أن أصل لصورة واضحة عن الأمر، هو يقع في شعوري فقط حتى الآن ولا أستطيع وصفه، لكنني "أحسه"، وربما أكتب عنه بالتفصيل في مرة أخرى.

 يومًا بعد يوم أتأكد من أن الكتابة تطهرنا وتغير فينا وتجعلنا ننمو. أنا ممتنة لكل حرف أكتبه في قصة أو مقال أو في يومياتي الشعورية في دفاتري الخاصة. الكتابة صلاة إلى أن أجد صلاتي. وقد صرت أبحث عن ماهية الكتابة والفن عمومًا بكل أشكاله: ما هو الفن؟ وكيف يكون الفن فنًا؟ وماذا يلزمنا حتى ندرك الفن؟ هذه أسئلة كثيرة لم تتضح إجاباتها بعد في ذهني، لكنها حين تتضح بالتأكيد سأكتب عنها.

لكن من المهم، الإشارة، لافتقادنا الأدبي لكتابة النساء عن الحب والجنس والعواطف، المرأة لا تكتب في هذه الأمور، نعم أنا واضحة في ذلك "المرأة لا تكتب في هذه الأمور"، لأنها حتى إن تطرقت إليها وكتبت فيها تكتب كما كتب أسلافها من الرجال، تكتب فيها بوجهة نظر ذكورية، ولا تقوى الكثير من الكاتبات النساء على أن تكتب من وجهة نظرها هي، بحياتها الداخلية، بتفاصيلها وأفكارها ومشاعرها، أن تخرج عن القالب الذي وضعه الرجال من قبلها وقولبوها داخله، وهي لا تفعل إلا أنها تمشي على خطاهم، وتنظر للأمور بنفس نظرتهم. طبعًا هناك من كتبن وألفن وخرجن بدواخلهن إلى النور، لكن ما تزال النسبة قليلة.

وهذا ما أحاول فعله، أحاول أن أخلق كتابتي الخاصة، وهذا ممتع وصعب في آن واحد، وفي كثير من الأحيان مدهش، لأني أكتشف أمورًا مختلفة وأرى العالم بنظرة مختلفة، كما يحدث معي حينما أكتب قصة "سعاد".

انتهى حديثي لليوم.
24 أغسطس 2015

الأربعاء، 8 أبريل 2015

زر الأنوثة

هذا المقال عن الأنثى من أنثى. ليس مادة علمية ولن تجد فيه معلومات دقيقة من مصادر معينة، لأنه كله عبارة عن تجربة شخصية بحتة، لأنثى تبلغ من العمر 16 عامًا فقط، تعايش وتلاحظ وتكتشف الأنوثة داخلها. فهذا سرد أنثوي، شخصي، فكري، وعاطفي، عن الحب، والأنوثة، والأمومة، والحياة. وتعمدت ذكر سني لأوضح أن المرأة قادرة على اكتشاف الأنثى بداخلها في أي سن وأي وضع. ولهذا أيضًا فهذا المقال انتصار وتحقيق للأنثى التي بداخلي، واعتراف بها وإثبات لوجودها..

تتدرج مفاهيم الحب والاحتياج حسب خبرتك وتجربتك، وحسب مدى احتياجك له في حياتك، أول مفاهيم الحب في فترة المراهقة مثلًا تتمثل في فكرة "لفت الانتباه"، أن يلتفت أحدهم إليك، ينظر إليك، يعجب بك، ثم تتدرج المفاهيم، بعد مفهوم لفت الانتباه ننتقل للاحتياج، أنك تحتاج لأن تجد اهتمامًا وعناية من أحدهم، ثم المشاركة، أن تحتاج لأن تشارك أحدهم ويشاركك، ثم الرغبة في العطاء، ثم المرحلة الكبرى، "الرغبة في الحياة"، في هذه المرحلة يتحول الحب في وجهة نظرك لرغبة في الحياة، وكلما ذقت المزيد من أنواع الموت من عزلة وشتات وتخبط وعدمية ازداد إيمانك وشوقك إلى هذه الحياة. هذه الرغبة وهذا الشوق وقوده هو كل التجارب المريرة ولحظات الوحدة وصدماتك في الحياة وإدراكك لذاتك، بجوانبها الحسنة والقبيحة.

يتحول كل شيء عدا الحب لموت، والحب وحده الحياة. والحب هنا يشمل الحياة بأكملها، أي أنه يشمل كافة أشكال الحب، الحب الأبوي والأمومي والأخوي والشبقي، كل أشكال الحب هذه تصب في أني أرغب في الحياة، أني مشتاق للحياة، وأرغب في أن أدفع بكامل قوتي لأحيا، وأرغب أيضًا في أن أجعلك أنت يا أخي/ زوجي/ ابني أن تحيا معي. أرغب أن نحيا سويًا، أرغب في الحياة.

حين يتحول الحب لرغبة في الحياة، لاستمرار الحياة، تكون إحدى تداعيات هذا الحب هي الانجراف لعاطفة الأمومة، الأمومة هنا تكون رغبة عميقة وغريزة أصيلة للبقاء والحياة.

الأمومة تجلٍّ من تجليات "الأنوثة" التي هي موضوع حديثنا، الأنثى هي كيان، والأنوثة هي صفة الأنثى، التي تتعامل من خلالها مع العالم بكونها "أنثى"، وفي فلسفتي الخاصة، أرى الأمومة والجنس وجهان لعملة واحدة، والاثنين يشتركان في أنهما من تجليات الأنوثة.

يتم توظيف هذه التجليات في كل مجتمع وفق معتقداته الخاصة، ففي مجتمع ما، يتم إعلاء قيمة الجنس على حساب الأمومة، وفي مجتمع آخر يتم إعلاء الأمومة على حساب الجنس.. وفي مجتمعنا العربي تكاد قيمة الجنس تدهس دهسًا وتطمس طمسًا، وتبقى في الخلفية الاجتماعية، وحشًا يهاجم الناس، ويقلق منامهم، ويهابونه، رغم أنهم هم من صنعوه وحشًا وتوهموه وحشًا وهو لا ذنب له في كل ذلك.

وهذا ليس حصرًا في ثقافتنا، فعلى مر الأزمنة والثقافات تم عمدًا طمس وتشويه معالم الأنثى، وأرى أن ذلك أدى إلى أن الأنثى نفسها صارت تفضل الأمومة على الجنس –رغم ارتباط أحدهما بالآخر- وسبب هذا التفضيل أنها صارت تجد في الأمومة تجربتها الخاصة جدًا الذي لا يشاركها فيها أحد، الجنس كعملية فسيولوجية يحتاج لشريكين، وربما يحرك الشريك الآخر العملية في اتجاه لا ترغبه أو لا يرضيها، والمجتمع أيضًا يتحكم في شكل هذه العلاقة على المستوى العام وعلى مستوى الأفراد. لكن الأمومة، تجربتها هي ولا دخل لمخلوق فيها سواها. هي تحمل وهي تضع، ومهما بلغ مقدار مشاركة أحد لها في هذه التجربة –حتى زوجها- فالنصيب الأكبر منها يكون لها وحدها. تجربتها الفريدة وربما تكون البشعة والمؤلمة أيضًا، التي مهما حكت عنها لن تستطيع وصفها.

منذ سنتين، كنت وسط مجموعة من الأصدقاء، وكان الحديث دائرًا حول الحب والزواج، كان قطاع كبير منهم يتبنى الرأي القائل: "خلينا نتجوز لكن من غير تعقيدات المجتمع ومن غير أطفال ومن غير الشكل التقليدي للجواز، كإننا مجرد اتنين اختاروا يعيشوا مع بعض، لكن بغطاء اجتماعي مقبول".

علق أحد الأصدقاء قائلًا إنها "كلها بتجر بعضها"، ستحب، إذًا ستتزوج، سترغب في طفل، ثم في طفل ثانٍ وثالث وأسرة كبيرة. وقتها بدا الكلام بالنسبة إلي كبنت صغيرة لا تملك أي تجربة منطقيًّا، لكن غير مفهوم، والجزء غير المفهوم فيه هو أنه: ما الدافع القوي جدًا الذي سيدفعك للدخول بكامل رغبتك واختيارك لدائرة الحب والزواج أصلًا؟ ولماذا تسيطر هذه الفكرة على الناس إلى هذا الحد؟ وبشكل أكثر تحديدًا، ما الذي يدفعني كأنثى لخوض تجربة الحب والزواج والأطفال؟ ما القيمة المضافة لحياتي من خلال تجربة كهذه؟ 

ومر الوقت، وجرت الأحداث بسرعة جنونية، وفي خلال سنتين فقط أصبحت قادرة على فهم هذه المعضلة المتعلقة بالحب، بل وأصبح عندي رغبة عميقة في الحصول على تجربة الحب هذه، ماذا حدث؟ الذي حدث أنه تم الضغط على زر الأنوثة بداخلي. 

ما هو زر الأنوثة؟ زر الأنوثة، هو نقطة معينة في عمق معين داخل كل بنت، عندما تصل إليها، فهي تصل إلى لذاتها، إلى أنوثتها، إلى الجزء المتعطش للحياة بداخلها، والجزء الذي يتوق إلى أن يهب الحياة لمن حوله، أن يهب الحب، ويستقبل الحب، بلا توقف وبلا حدود.

زر الأنوثة هو نقطة بلوغ نفسي وعقلي للأنثى، وهو مختلف عن البلوغ البيولوجي المرتبط بالسن والمرحلة العمرية والهرمونات، فهو يحدث في أي سن، طالما كانت الأنثى مستعدة لحدوثه. وهي بعد وصولها لهذه النقطة داخلها، تتبدل نظرتها لنفسها وللحياة، وتختلف أحلامها وآمالها ومتطلباتها.
زر الأنوثة أيضًا، هو النقطة التي تتخطى فيها الأنثى نظرتها لنفسها من الخارج إلى الداخل، إلى نظرتها لنفسها من الداخل إلى الخارج. ماذا يعني من الخارج للداخل؟ يعني أن الأنثى التي لم تكتشف نفسها بعد، تذهب إلى رؤية نفسها بعيون الآخرين، وتستمد معرفتها بنفسها وتعريفها لما يجب أن تكون عليه من خلالهم ومن خلال معتقداتهم عنها، وعما يجب أن تكون عليه. فإن كان الناس مثلًا يفترضون أن الأنثى يجب أن تكون خجولة، فتصبح هي تقيس أنوثتها على مقياس الخجل الذي وضعه الناس. 

وإن افترضوا أنها يجب أن تكون جريئة وجذابة فهي كذلك تقيس مدى أنوثتها من خلال درجة مطابقتها للصورة القياسية للجاذبية المطلوبة. لكن بمجرد أن تبدأ الأنثى في اكتشاف نفسها من الداخل، فهي تدرك نفسها ككيان مستقل، وتجد لنفسها مواصفاتها الخاصة التي تعبر عن أنوثتها، وتشعرها بوجودها، وتستمد تعريفها لذاتها من ذاتها وليس من الآخرين.

أود العودة للحديث عن الأمومة بالنسبة للأنثى، تجربة الحمل والولادة تبدو لي شيئًا شبه أسطوري، ولا يضاهيه شيء آخر، ودائمًا الولادة متربطة في ذهني بكلمات مثل: جنس، رغبة، متعة، حب، أمومة، أنوثة، ذكورة، إنسان، إنسانية. ومجرد ذكر موضوع الولادة يحرك في ذهني هذه الكلمات جميعها. في ثنائية الجنس والأمومة التي سبق ذكرها، أرى أن المتعة التي ينطوي عليها الجنس، تنتقل لمتعة أكبر وأعمق عندما يفضي هذا الجنس لولادة فرد جديد، وأنه توجد لذة معينة في أن ترى ابنك يمشي أمامك على الأرض، وهناك توق من البشر للحظة التي يرون فيها صغارهم تلك، اللحظة التي يرون أنفسهم في صغارهم، توق في نفس قوة توق الرجل للمرأة، والمرأة للرجل. هذه اللذة هي التي تدفعك إلى حب أبنائك أكثر من أي شيء آخر، أبنائك أنت تحديدًا وليس أبناء أي شخص آخر. 

والآن أستطيع الإجابة عن الأسئلة التي سألتُها لنفسي منذ سنتين، لماذا الناس يهتمون بالحب إلى هذا الحد؟ وماذا يعود علي أنا كأنثى من ذلك؟

ودعوني أجيب عن السؤال الثاني أولًا ثم أتطرق للسؤال الأول: ماذا يعود عليّ من الحب؟ 

أعلم أن الأنوثة مهما بدت لغزًا محيرًا فهي لا تقارن بلغز الذكورة، وأنه ربما لو حاولت يومًا أن أسبر أغوار "زر الذكورة" وأفهمه فإني لن أفهم إلا القليل لتعقيد هذا اللغز، الذكورة معقدة لدرجة أن الإنسان اعتاد على تعقيدها وصار يتعامل معها كشيء مسلم به، ولا يلاحظه أصلا. وأنا لا أعرف متى تحديدًا يشعر الرجل بأنه في حاجة إلى بيت وأطفال، لكني أعرف جيدًا متى تشعر الفتاة بذلك، ربما بمجرد أن تحب ولدًا، وأن تشعر أنها تريد حمايته من كل شيء حتى من نفسه، وربما قبل ذلك بكثير.. البنت تعرف أنها تحتاج إلى طفل عند أول صديقة تحضتنها وتسهر لأجلها وتربت عليها، أو لنختصر كل ذلك، يمكننا أن نقول إن الأنثى تعرف أنها أنثى عندما تستطيع أن تمنح وترعى غيرها وتجد السعادة في ذلك. كل منا داخلها أم تنتظر الفرصة لتخرج. الأم هنا هي المرادف للسعادة، هي رمز للسعادة، للمنح، للرغبة في الحياة، للرغبة في إسعاد الغير. الأم هي كل امرأة تقدر السعادة.

أريد أن أصبح أمًّا لأني أعتقد أن تجربتي الحياتية لن تكتمل بدون أن أصبح أمًّا، وأرى الأمومة مرحلة مهمة في حياة الأنثى أعتقد أني سأسعد جدًّا بأن أعيشها.

أريد أن أصبح أمًّا كي لا أكون وحيدة، كي لا تنهشني الوحدة.

وأريد أن أكون أمًّا لأني أرى أن لدي ما أقدمه لشخص آخر، أرى أن لدي حياة أستطيع نقلها لكائن ما، ليصبح حيًّا هو أيضًا، حي حقًّا، حي بمعنى أنه لا يخاف من الدنيا، بمعنى أنه يحب أن يكبر ويتعلم ويستكشف، ولأني سأحيا به ولأجله.

أريد أن أصبح أمًّا لأصبح شخصًا أفضل، أفضل في التواصل مع ذاته، أفضل روحيًّا، أكثر رحمة بغيره من البشر، وأكثر رحمة بنفسه، ولأن العائلة هي التي تحمينا، صغارنا يمدوننا بالحماية، مثلما نمدهم نحن بها، إنهم يقدمون الحماية لنا من شرنا، من حزننا، من غضبنا، من لوعتنا.

وأريد أن أصبح أمًّا أيضًا لأن تركيبي الجسدي والنفسي يدفعني لذلك، وأنا تعلمت أن أذعن للأصوات المنبعثة من داخلي، لنداء الطبيعة، أن أحترم طبيعتي وأحبها وألبي احتياجاتها. 

والسؤال الثاني، لماذا يشغل هذا الموضوع حيزًا كبيرًا إلى هذا الحد من حياة البشر؟

أعتقد أن المقال كله يعد بمثابة إجابة كافية ووافية عن هذا السؤال، لكن دعنا نقول مثلًا أن حياة واحدة لا تكفي، استمرار الكون يستلزم عدة حيوات متتالية يعيشها الإنسان، من خلال أفراد كُثر، لكنهم في النهاية إنسان واحد، ولهذا يجب على هذا الإنسان أن ينقسم ويكثُر حتى لا يموت.

كل تنويعات الفلسفات والنظريات والمعتقدات في حياة البشر تدور حول "إنهم لا يريدون الموت"، بما فيها المعتقدات الدينية والسياسية والاجتماعية.

في النهاية فكرت أنه بفرض أنني سلمت تمام التسليم بأني أريد أن أصبح أمًّا وأني أقدس ذلك، فماذا سأقدم لطفلي؟ ماذا سأعلمه؟ وكيف ستكون علاقتي به؟

أول ما يخطر في بالي في هذا الصدد، أنه إن كنت أرغب في أن يكون لدي طفل، فعلي قبل أن أوجده أن أوجد نفسي، أن أعيش أنا حياتي، وأخوض تجربتي ومعاركي، أن طفلنا الأول والأبدي هو أنفسنا، أنا طفلة نفسي، علي أن أربيني وأحبني وأمنح نفسي الحرية والثقة والأمان، وأصل بخبراتي إلى استنتاجاتي ومعتقداتي الخاصة، ثم أستكمل هذه التربية والحب في تربية وحب طفلي القادم، الذي سأحبه مثلما أحب نفسي، وأمنحه مثلما أمنح نفسي. 

تربية الإنسان لا يفترض بها أن تكون عملية أقرب لتدجين الدجاج، لذلك لا يجب أيضًا أن نفترض أنه توجد طريقة واضحة وصريحة لإنتاج بشر بالمواصفات التي نريدها تمامًا، أبناؤنا ليسوا دجاجات، وتربية البشر تختلف عن التدجين في أنها تجربة تتطلب من القائم بها الصبر والإنسانية والرحمة، والقدرة على تقبل وفهم الكائن الصغير الذي بين يديك.. التي هي قدرة على تقبل وفهم نفسك في المقام الأول، وفهم إنسانيتك، حتى تتمكن من فهم كائن آخر، تتطلب أن يكون لديك شجاعة لخوض مغامرات عجيبة وأشياء مهولة، وأن تتحمل كل الأشياء الجنونية التي من الممكن أن يعرضك لها ابنك، وأن تجعله هو يعلمك ويقودك ويفهِّمك الحياة من باب مختلف تمامًا، لكن مع الحفاظ على أن تكون أنت ممسكًا به ومتأكدًا من أنه بأمان في رحلته. عليك أن تتحلى بالشجاعة والروح الرياضية لتقبل أن ابنك صحيحٌ أنه جزء منك، لكنه جزء من الإنسان الأكبر، وأنه متفرد، وأن تعامله كأخيك وصديقك قبل أن يكون ابنك.

المقال انتهى : )