هذا المقال عن الأنثى من أنثى. ليس مادة علمية ولن تجد فيه معلومات دقيقة من مصادر معينة، لأنه كله عبارة عن تجربة شخصية بحتة، لأنثى تبلغ من العمر 16 عامًا فقط، تعايش وتلاحظ وتكتشف الأنوثة داخلها. فهذا سرد أنثوي، شخصي، فكري، وعاطفي، عن الحب، والأنوثة، والأمومة، والحياة. وتعمدت ذكر سني لأوضح أن المرأة قادرة على اكتشاف الأنثى بداخلها في أي سن وأي وضع. ولهذا أيضًا فهذا المقال انتصار وتحقيق للأنثى التي بداخلي، واعتراف بها وإثبات لوجودها..
تتدرج مفاهيم الحب والاحتياج حسب خبرتك وتجربتك، وحسب مدى احتياجك له في حياتك، أول مفاهيم الحب في فترة المراهقة مثلًا تتمثل في فكرة "لفت الانتباه"، أن يلتفت أحدهم إليك، ينظر إليك، يعجب بك، ثم تتدرج المفاهيم، بعد مفهوم لفت الانتباه ننتقل للاحتياج، أنك تحتاج لأن تجد اهتمامًا وعناية من أحدهم، ثم المشاركة، أن تحتاج لأن تشارك أحدهم ويشاركك، ثم الرغبة في العطاء، ثم المرحلة الكبرى، "الرغبة في الحياة"، في هذه المرحلة يتحول الحب في وجهة نظرك لرغبة في الحياة، وكلما ذقت المزيد من أنواع الموت من عزلة وشتات وتخبط وعدمية ازداد إيمانك وشوقك إلى هذه الحياة. هذه الرغبة وهذا الشوق وقوده هو كل التجارب المريرة ولحظات الوحدة وصدماتك في الحياة وإدراكك لذاتك، بجوانبها الحسنة والقبيحة.
يتحول كل شيء عدا الحب لموت، والحب وحده الحياة. والحب هنا يشمل الحياة بأكملها، أي أنه يشمل كافة أشكال الحب، الحب الأبوي والأمومي والأخوي والشبقي، كل أشكال الحب هذه تصب في أني أرغب في الحياة، أني مشتاق للحياة، وأرغب في أن أدفع بكامل قوتي لأحيا، وأرغب أيضًا في أن أجعلك أنت يا أخي/ زوجي/ ابني أن تحيا معي. أرغب أن نحيا سويًا، أرغب في الحياة.
حين يتحول الحب لرغبة في الحياة، لاستمرار الحياة، تكون إحدى تداعيات هذا الحب هي الانجراف لعاطفة الأمومة، الأمومة هنا تكون رغبة عميقة وغريزة أصيلة للبقاء والحياة.
الأمومة تجلٍّ من تجليات "الأنوثة" التي هي موضوع حديثنا، الأنثى هي كيان، والأنوثة هي صفة الأنثى، التي تتعامل من خلالها مع العالم بكونها "أنثى"، وفي فلسفتي الخاصة، أرى الأمومة والجنس وجهان لعملة واحدة، والاثنين يشتركان في أنهما من تجليات الأنوثة.
يتم توظيف هذه التجليات في كل مجتمع وفق معتقداته الخاصة، ففي مجتمع ما، يتم إعلاء قيمة الجنس على حساب الأمومة، وفي مجتمع آخر يتم إعلاء الأمومة على حساب الجنس.. وفي مجتمعنا العربي تكاد قيمة الجنس تدهس دهسًا وتطمس طمسًا، وتبقى في الخلفية الاجتماعية، وحشًا يهاجم الناس، ويقلق منامهم، ويهابونه، رغم أنهم هم من صنعوه وحشًا وتوهموه وحشًا وهو لا ذنب له في كل ذلك.
وهذا ليس حصرًا في ثقافتنا، فعلى مر الأزمنة والثقافات تم عمدًا طمس وتشويه معالم الأنثى، وأرى أن ذلك أدى إلى أن الأنثى نفسها صارت تفضل الأمومة على الجنس –رغم ارتباط أحدهما بالآخر- وسبب هذا التفضيل أنها صارت تجد في الأمومة تجربتها الخاصة جدًا الذي لا يشاركها فيها أحد، الجنس كعملية فسيولوجية يحتاج لشريكين، وربما يحرك الشريك الآخر العملية في اتجاه لا ترغبه أو لا يرضيها، والمجتمع أيضًا يتحكم في شكل هذه العلاقة على المستوى العام وعلى مستوى الأفراد. لكن الأمومة، تجربتها هي ولا دخل لمخلوق فيها سواها. هي تحمل وهي تضع، ومهما بلغ مقدار مشاركة أحد لها في هذه التجربة –حتى زوجها- فالنصيب الأكبر منها يكون لها وحدها. تجربتها الفريدة وربما تكون البشعة والمؤلمة أيضًا، التي مهما حكت عنها لن تستطيع وصفها.
منذ سنتين، كنت وسط مجموعة من الأصدقاء، وكان الحديث دائرًا حول الحب والزواج، كان قطاع كبير منهم يتبنى الرأي القائل: "خلينا نتجوز لكن من غير تعقيدات المجتمع ومن غير أطفال ومن غير الشكل التقليدي للجواز، كإننا مجرد اتنين اختاروا يعيشوا مع بعض، لكن بغطاء اجتماعي مقبول".
علق أحد الأصدقاء قائلًا إنها "كلها بتجر بعضها"، ستحب، إذًا ستتزوج، سترغب في طفل، ثم في طفل ثانٍ وثالث وأسرة كبيرة. وقتها بدا الكلام بالنسبة إلي كبنت صغيرة لا تملك أي تجربة منطقيًّا، لكن غير مفهوم، والجزء غير المفهوم فيه هو أنه: ما الدافع القوي جدًا الذي سيدفعك للدخول بكامل رغبتك واختيارك لدائرة الحب والزواج أصلًا؟ ولماذا تسيطر هذه الفكرة على الناس إلى هذا الحد؟ وبشكل أكثر تحديدًا، ما الذي يدفعني كأنثى لخوض تجربة الحب والزواج والأطفال؟ ما القيمة المضافة لحياتي من خلال تجربة كهذه؟
ومر الوقت، وجرت الأحداث بسرعة جنونية، وفي خلال سنتين فقط أصبحت قادرة على فهم هذه المعضلة المتعلقة بالحب، بل وأصبح عندي رغبة عميقة في الحصول على تجربة الحب هذه، ماذا حدث؟ الذي حدث أنه تم الضغط على زر الأنوثة بداخلي.
ما هو زر الأنوثة؟ زر الأنوثة، هو نقطة معينة في عمق معين داخل كل بنت، عندما تصل إليها، فهي تصل إلى لذاتها، إلى أنوثتها، إلى الجزء المتعطش للحياة بداخلها، والجزء الذي يتوق إلى أن يهب الحياة لمن حوله، أن يهب الحب، ويستقبل الحب، بلا توقف وبلا حدود.
زر الأنوثة هو نقطة بلوغ نفسي وعقلي للأنثى، وهو مختلف عن البلوغ البيولوجي المرتبط بالسن والمرحلة العمرية والهرمونات، فهو يحدث في أي سن، طالما كانت الأنثى مستعدة لحدوثه. وهي بعد وصولها لهذه النقطة داخلها، تتبدل نظرتها لنفسها وللحياة، وتختلف أحلامها وآمالها ومتطلباتها.
زر الأنوثة أيضًا، هو النقطة التي تتخطى فيها الأنثى نظرتها لنفسها من الخارج إلى الداخل، إلى نظرتها لنفسها من الداخل إلى الخارج. ماذا يعني من الخارج للداخل؟ يعني أن الأنثى التي لم تكتشف نفسها بعد، تذهب إلى رؤية نفسها بعيون الآخرين، وتستمد معرفتها بنفسها وتعريفها لما يجب أن تكون عليه من خلالهم ومن خلال معتقداتهم عنها، وعما يجب أن تكون عليه. فإن كان الناس مثلًا يفترضون أن الأنثى يجب أن تكون خجولة، فتصبح هي تقيس أنوثتها على مقياس الخجل الذي وضعه الناس.
وإن افترضوا أنها يجب أن تكون جريئة وجذابة فهي كذلك تقيس مدى أنوثتها من خلال درجة مطابقتها للصورة القياسية للجاذبية المطلوبة. لكن بمجرد أن تبدأ الأنثى في اكتشاف نفسها من الداخل، فهي تدرك نفسها ككيان مستقل، وتجد لنفسها مواصفاتها الخاصة التي تعبر عن أنوثتها، وتشعرها بوجودها، وتستمد تعريفها لذاتها من ذاتها وليس من الآخرين.
أود العودة للحديث عن الأمومة بالنسبة للأنثى، تجربة الحمل والولادة تبدو لي شيئًا شبه أسطوري، ولا يضاهيه شيء آخر، ودائمًا الولادة متربطة في ذهني بكلمات مثل: جنس، رغبة، متعة، حب، أمومة، أنوثة، ذكورة، إنسان، إنسانية. ومجرد ذكر موضوع الولادة يحرك في ذهني هذه الكلمات جميعها. في ثنائية الجنس والأمومة التي سبق ذكرها، أرى أن المتعة التي ينطوي عليها الجنس، تنتقل لمتعة أكبر وأعمق عندما يفضي هذا الجنس لولادة فرد جديد، وأنه توجد لذة معينة في أن ترى ابنك يمشي أمامك على الأرض، وهناك توق من البشر للحظة التي يرون فيها صغارهم تلك، اللحظة التي يرون أنفسهم في صغارهم، توق في نفس قوة توق الرجل للمرأة، والمرأة للرجل. هذه اللذة هي التي تدفعك إلى حب أبنائك أكثر من أي شيء آخر، أبنائك أنت تحديدًا وليس أبناء أي شخص آخر.
والآن أستطيع الإجابة عن الأسئلة التي سألتُها لنفسي منذ سنتين، لماذا الناس يهتمون بالحب إلى هذا الحد؟ وماذا يعود علي أنا كأنثى من ذلك؟
ودعوني أجيب عن السؤال الثاني أولًا ثم أتطرق للسؤال الأول: ماذا يعود عليّ من الحب؟
أعلم أن الأنوثة مهما بدت لغزًا محيرًا فهي لا تقارن بلغز الذكورة، وأنه ربما لو حاولت يومًا أن أسبر أغوار "زر الذكورة" وأفهمه فإني لن أفهم إلا القليل لتعقيد هذا اللغز، الذكورة معقدة لدرجة أن الإنسان اعتاد على تعقيدها وصار يتعامل معها كشيء مسلم به، ولا يلاحظه أصلا. وأنا لا أعرف متى تحديدًا يشعر الرجل بأنه في حاجة إلى بيت وأطفال، لكني أعرف جيدًا متى تشعر الفتاة بذلك، ربما بمجرد أن تحب ولدًا، وأن تشعر أنها تريد حمايته من كل شيء حتى من نفسه، وربما قبل ذلك بكثير.. البنت تعرف أنها تحتاج إلى طفل عند أول صديقة تحضتنها وتسهر لأجلها وتربت عليها، أو لنختصر كل ذلك، يمكننا أن نقول إن الأنثى تعرف أنها أنثى عندما تستطيع أن تمنح وترعى غيرها وتجد السعادة في ذلك. كل منا داخلها أم تنتظر الفرصة لتخرج. الأم هنا هي المرادف للسعادة، هي رمز للسعادة، للمنح، للرغبة في الحياة، للرغبة في إسعاد الغير. الأم هي كل امرأة تقدر السعادة.
أريد أن أصبح أمًّا لأني أعتقد أن تجربتي الحياتية لن تكتمل بدون أن أصبح أمًّا، وأرى الأمومة مرحلة مهمة في حياة الأنثى أعتقد أني سأسعد جدًّا بأن أعيشها.
أريد أن أصبح أمًّا كي لا أكون وحيدة، كي لا تنهشني الوحدة.
وأريد أن أكون أمًّا لأني أرى أن لدي ما أقدمه لشخص آخر، أرى أن لدي حياة أستطيع نقلها لكائن ما، ليصبح حيًّا هو أيضًا، حي حقًّا، حي بمعنى أنه لا يخاف من الدنيا، بمعنى أنه يحب أن يكبر ويتعلم ويستكشف، ولأني سأحيا به ولأجله.
أريد أن أصبح أمًّا لأصبح شخصًا أفضل، أفضل في التواصل مع ذاته، أفضل روحيًّا، أكثر رحمة بغيره من البشر، وأكثر رحمة بنفسه، ولأن العائلة هي التي تحمينا، صغارنا يمدوننا بالحماية، مثلما نمدهم نحن بها، إنهم يقدمون الحماية لنا من شرنا، من حزننا، من غضبنا، من لوعتنا.
وأريد أن أصبح أمًّا أيضًا لأن تركيبي الجسدي والنفسي يدفعني لذلك، وأنا تعلمت أن أذعن للأصوات المنبعثة من داخلي، لنداء الطبيعة، أن أحترم طبيعتي وأحبها وألبي احتياجاتها.
والسؤال الثاني، لماذا يشغل هذا الموضوع حيزًا كبيرًا إلى هذا الحد من حياة البشر؟
أعتقد أن المقال كله يعد بمثابة إجابة كافية ووافية عن هذا السؤال، لكن دعنا نقول مثلًا أن حياة واحدة لا تكفي، استمرار الكون يستلزم عدة حيوات متتالية يعيشها الإنسان، من خلال أفراد كُثر، لكنهم في النهاية إنسان واحد، ولهذا يجب على هذا الإنسان أن ينقسم ويكثُر حتى لا يموت.
كل تنويعات الفلسفات والنظريات والمعتقدات في حياة البشر تدور حول "إنهم لا يريدون الموت"، بما فيها المعتقدات الدينية والسياسية والاجتماعية.
في النهاية فكرت أنه بفرض أنني سلمت تمام التسليم بأني أريد أن أصبح أمًّا وأني أقدس ذلك، فماذا سأقدم لطفلي؟ ماذا سأعلمه؟ وكيف ستكون علاقتي به؟
أول ما يخطر في بالي في هذا الصدد، أنه إن كنت أرغب في أن يكون لدي طفل، فعلي قبل أن أوجده أن أوجد نفسي، أن أعيش أنا حياتي، وأخوض تجربتي ومعاركي، أن طفلنا الأول والأبدي هو أنفسنا، أنا طفلة نفسي، علي أن أربيني وأحبني وأمنح نفسي الحرية والثقة والأمان، وأصل بخبراتي إلى استنتاجاتي ومعتقداتي الخاصة، ثم أستكمل هذه التربية والحب في تربية وحب طفلي القادم، الذي سأحبه مثلما أحب نفسي، وأمنحه مثلما أمنح نفسي.
تربية الإنسان لا يفترض بها أن تكون عملية أقرب لتدجين الدجاج، لذلك لا يجب أيضًا أن نفترض أنه توجد طريقة واضحة وصريحة لإنتاج بشر بالمواصفات التي نريدها تمامًا، أبناؤنا ليسوا دجاجات، وتربية البشر تختلف عن التدجين في أنها تجربة تتطلب من القائم بها الصبر والإنسانية والرحمة، والقدرة على تقبل وفهم الكائن الصغير الذي بين يديك.. التي هي قدرة على تقبل وفهم نفسك في المقام الأول، وفهم إنسانيتك، حتى تتمكن من فهم كائن آخر، تتطلب أن يكون لديك شجاعة لخوض مغامرات عجيبة وأشياء مهولة، وأن تتحمل كل الأشياء الجنونية التي من الممكن أن يعرضك لها ابنك، وأن تجعله هو يعلمك ويقودك ويفهِّمك الحياة من باب مختلف تمامًا، لكن مع الحفاظ على أن تكون أنت ممسكًا به ومتأكدًا من أنه بأمان في رحلته. عليك أن تتحلى بالشجاعة والروح الرياضية لتقبل أن ابنك صحيحٌ أنه جزء منك، لكنه جزء من الإنسان الأكبر، وأنه متفرد، وأن تعامله كأخيك وصديقك قبل أن يكون ابنك.
المقال انتهى : )
أحسنت
ردحذفأشكرك :)
حذفما شاء الله عليكِ
ردحذفقدرتى تعبرى عن حاجات كتير جوانا واجابات لـ أسئلة كتير أغلبنا بيتجوز ويخلف ويموت ومش لقاها
شكرا
الشكر ليكي أسعديني :))
حذفيسعد صباحك :)