الأربعاء، 24 ديسمبر 2014

عن الإلحاد وتحديد المواقف ومحاربة الطواحين

لا أعلم ما معنی أن تقول أنا مؤمن أو أنا ملحد؟ وما أهمية ذلك؟ 

أنا أبلغ من العمر 16 عامًا، بالطبع لأكتب مقالًا كهذا مررت بتجارب فكرية عديدة، لكن مهما بلغت هذه التجارب من تنوع وثراء لا يمكن أن نقارنها بتجارب شخص يبلغ أربعين عامًا مثلًا، وعمره يزيد عن ضعف عمري. عندما يصادف أن يسألني أحدهم عن ملابسات خلعي للحجاب، أو ما هو رأيي في الحجاب، أو ما هي علاقتي بالدين، لا أجد إجابة، أو في واقع الأمر إجابتي تحمل سؤالًا آخر: ما معنی أن يقول شخص يبلغ من العمر 16 ربيعًا أنا مؤمن أو أنا ملحد؟ ما خبرته في الحياة؟ كيف وصل أصلًا لإيمانه أو إلحاده؟ ولماذا أنا مضطرة إلی أن أقدم شرحًا وافيًا ومفصلًا ودقيقًا عن معتقداتي الشخصية التي لم تكتمل بعد وتوجهاتي وأن أواجه أسئلة من هذه النوعية في هذه السن؟ 

في اعتقادي الشخصي، إن تصورك للإله وعلاقتك به، هو نتاج تجربتك الشخصية، الفكرية والوجدانية والحياتية الخاصة. وهي قائمة علی التجربة والملاحظة، ولها شق عقلي وشق وجداني، ولا يصح أن ننظر لأحدهما دون الآخر. الفكرة أن عقلك ووجدانك قد لا يجتمعان قي الوقت نفسه، فربما يكون عقلك في فترة شبابك نشطًا جدًا، وطاغيًا عليك، ولكن وجدانك خامل، أو ليس نشطًا بدرجة نشاط عقلك نفسها. وفي سنٍّ متقدمة، ربما يبدأ وجدانك في الحراك ويتنشط وتبدأ في الوصول إلی النضج الحقيقي، ويبدأ اكتمال رحلتك في الحياة. وقتها، تستطيع أن تحدد علاقتك بإلهك، وبنفسك، وبالحياة.

ولأن هذا النضج، يتطلب الكثير من العوامل، وكما سبق أن ذكرت، هو لا يعتمد علی النضج العقلي فقط، ولا النضج الوجداني فقط، ولكنه يعتمد علی كليهما وعلی تجاربك الحياتية، ومعرفتك بنفسك، فإن هذا النضج لا يحدث لكل الأفراد في العمر نفسه، بعضهم ينضج في سن صغيرة، وبعضهم في أعمار أكبر. 

الإنسان في عمومه، حياته لا تسير علی الوتيرة نفسها، آراؤه تتغير، وتوجهاته تتغير، وحالاته النفسية والعاطفية تتغير، وفي حياة الفرد الواحد، ربما يتأرجح بين التدين واللادينية والإلحاد والتدين المتطرف واللا اكتراث، وسيظل يتغير ويتغير، حتی يصل لمرحلة النضج السابق ذكرها، ويصل لنظرته الخاصة للأمور وللحياة. إن قلت أنا مؤمن اليوم فهذا لا يعني أني بالضرورة سأظل مؤمنًا غدًا، وإن قلت أنا ملحد، فهذا أيضًا لا يعني أني سأعيش وأموت ملحدًا. 

سأعود للسؤال ذاته: ماذا يهمك إن كنت مؤمنة أم ملحدة؟ إن كان فلان ملحدًا أو مؤمنًا؟ 

إن حاولنا أن نجيب عن هذا السؤال، سنجد أن الإيمان أو عدمه في مجتمعاتنا -وفي العالم كله- له اعتبارات أخری غير الاعتبارات الشخصية للفرد. يعني: دينك أو معتقدك، ليس لنفسك، معتقدك للناس أجمعين. 

عندما يكون هناك مجموعة من البشر مؤمنون بشيء ما، وأنت تكفر بهذا الشيء، أو تؤمن بعكسه، فإن ذلك يشكل خطرًا بالنسبة لهم؛ لأن كفرك بما يؤمنون به يعني أنك تهدد منظومة القيم والمعتقدات التي بنوها لأنفسهم. في مصر مثلًا، أعتقد أن ظهور الملحدين وجهرهم بإلحادهم، يمثل خطرًا علی النظام السياسي بشكلٍ كبير، وطبعًا الخطر الاجتماعي أمرٌ مفروغ منه. ومن أجل هذه الاعتبارات السياسية والاجتماعية، أصبح من المهم أن تحدد موقفك، أنت مؤمن أم ملحد؟ لا يهمنا هنا تجربتك كفرد، لا يهم كل هذا الهراء عن النضج وعن الإنسان وعن الكون، كل ما يهم أن تجيب عن السؤال: مؤمن أم ملحد؟ معنا أم علينا؟ ولو مش معانا يبقی لازم يكون علينا! 

بعبارة أخری، يمكننا القول، إن الإيمان والإلحاد، أصبحا أقرب لتصنيف سياسي واجتماعي وعرقي وطبقي أكثر من كونهما شيئًا يخص الفرد ويخص حالته الروحانية وعلاقته بالكون. 

وفي هذه الحالة، يصبح أحدهما مساويًا للآخر في نظري، الملحد مثل المؤمن، لا المؤمن مؤمن ولا الملحد ملحد، الملحد ربما لا يكون ملحدًا حقًا، لكنه مجرد فرد حاول التمرد علی نظامه الاجتماعي فصار ملحدًا فجأة! ولهذا السبب، صرت لا أميل كثيرًا لتصنيف الأشخاص حسب معتقداتهم، وأری أن كل هذه المسميات محض هراء، وأن هناك الكثير من الأشياء تمثل أهمية أكبر من أهمية أن نجلس للنقاش حول هل أنا مؤمن وملحد. 

أنا أرفض أن أدخل في جدالات مشابهة، أرفض أن يتم حصر شريحة الشباب في هذه الدائرة المفرغة، أرفض هذه السطحية التي يتعامل بها البعض، أرفض أن أضيع عمري في محاربة طواحين الهواء، لدي الكثير من الأشياء كي أعيشها، وأتعلمها، وإن أردت شيئًا حقًا فهذا الشيء هو أن أجد نفسي، وأصل للنضج الذي أبحث عنه، والصدق مع الذات، وأن أجد طريقي الخاص وأجد ما يريح عقلي ووجداني، أجد هذه الأشاء لنفسي ومن أجل نفسي، ليس من أجل أحد، وليس من أجل مجاراة المجتمع والنظام السياسي. 

لن أطالبكم بالكف عن تصنيف الناس حسب معتقداتهم بشكل كامل لأن ذلك يستحيل حدوثه، والواقع يحتمه علينا، لكن حاولوا -قدر ما استطعتم- أن لا تنظروا لظاهر الأمور، أنا تحافظوا علی إنسانيتكم وعلی عقلكم وأرواحكم، أن تبقوا علی ما تبقی من صدق بدواخلكم، وأن تحاولوا تقليل رقعة النقاشات غير ذات القيمة، الصراعات التي لا تفضي إلی شيء، أن تبحثوا عن أنفسكم لأنفسكم وليس للناس.