1 - مقدمة لا بد منها:
قبل كل مقال أنشره، يتملكني خوف شديد، فأنا في هذه المقالات أتحدث فقط من خلال تجربتي الشخصية عن أفكاري: عن الكون وعن أمور فلسفية عدة تتعلق بنا كبشر. كثيرًا ما أفكر، ما الذي يضمن صحة ودقة ما أقوم بكتابته ونشره؟
لكني في لحظة ثقة وبصيرة، أخبرت أختي أنني أعتقد بشدة أن لأرواحنا طريقتها الخاصة في التفكير ومنطقها الذي يختلف عن المنطق العقلي، وأن هذه الطريقة في التفكير التي يمكن أن نسميها "الحدس" ليست اعتباطية، وليست خاضعة لهوى كل إنسان، وليست ساذجة، بل إنها تمتلك القوة والأصالة الكافية للكشف فعلًا عن الحقائق وتفسير الأمور، ولها مبادئها وأسسها.
صحيح أن هذه المبادئ والأسس لا أستطيع أن أضع يدي عليها الآن بشكل كامل، وأشرحها بالتفصيل، لكنني أعرف "بحدسي" أنها موجودة. إن روحنا قادرة على التفكير باستقلال عن العقل.
وفي هذا المقال، أترك روحي، تتحدث بمنطقها الخاص، أمام الجميع، دون خوف ولا ستار.
***
2 - "إن وعينا البشري له القوة والأصالة"
كثيرًا ما أقع في الحيرة الأخلاقية عندما أضطر للحكم على شخص ما أنه قام بعمل سيئ أو جيد، أواجه السؤال الوجودي الآتي: إن كانت الظروف والأقدار مخططة وموضوعة مسبقًا، إذًا لماذا يلام الإنسان إذا تصرف بشكل خاطئ نتيجة لهذه الظروف؟
كثيرًا ما أقع في الحيرة الأخلاقية عندما أضطر للحكم على شخص ما أنه قام بعمل سيئ أو جيد، أواجه السؤال الوجودي الآتي: إن كانت الظروف والأقدار مخططة وموضوعة مسبقًا، إذًا لماذا يلام الإنسان إذا تصرف بشكل خاطئ نتيجة لهذه الظروف؟
ما هي حدود إرادة الإنسان الحرة، مقارنة بحدود إرادة الله؟
ولنكن أكثر موضوعية وعقلانية، يمكننا الاتفاق على استبدال لفظ
"الله"، بأن نطلق عليه "الوعي أو العقل الكوني" الذي يجاوز
وعينا المحدد كبشر. ولنعد السؤال كالآتي: ما حدود الإرادة الحرة (للإنسان الفرد) مقارنة
بحدود إرادة العقل الكوني الأكبر؟
هل الإنسان محكوم تمامًا بالظروف البيئية والاجتماعية والزمنية
المحيطة به؟ هل حتى هو محكوم تمامًا بجسده وقدراته الحسية وبنيته النفسية التي قد
لا تكون في وضعها المثالي؟ فقد يكون جسده مقيدًا أو محبوسًا، أو قد يعاني من ضعف
في السمع أو البصر أو أي من قدراته الحسية، أو قد يكون صاحب بنية نفسية لا تساعده
على التعامل بمرونة مع الحياة.
هل الإنسان هو مجرد شيء تتحكم فيه كل الأمور السابق ذكرها؟ هل هو مجرد
ترس في آلة ضخمة؟ هل هو مسلوب الإرادة؟ هل العقل الأكبر/ أو الله وحده هو من يريد
ويفعل ونحن لا نملك أن نريد ولا نملك أن
نفعل؟ وإن كان بمقدور الفرد أن يريد وأن يفعل، فما حدود تلك الإرادة وما أثر ذلك
الفعل؟
منذ حوالي شهرين، سافرت إلى سانت كاترين، وحظيت خلال هذه الرحلة برفقة طيبة، صعدنا سويًا جبل موسى. وخلال صعود الجبل، كانت الإجابة عن سؤال: "الإرادة" تتشكل داخلي.
قال صديقي: كنت أعرف أن جسدكِ لا يستطيع صعود الجبل، لكني كنت متأكدًا أن عقلك وقلبك يستطيعان أن يفعلا ذلك!
أجل يا صديقي، أنا التي لم تسافر يومًا إلى أي مكان بمفردها، والتي تعاني
من هموم ثقيلة منذ طفولتها، هموم لا تكبلها نفسيًا فحسب، بل تقيد جسدها، لي تاريخ طويل
مع جسدي المتعب والواهن طوال الوقت الذي يعبر عن الحزن بطريقته، في طفولتي كان من المتكرر
أن أتعثر في الطريق وأقع، هكذا يعبر جسدي عن وحدتي وحاجتي للاهتمام، وفي سن أكبر، كان
يلازمني مغص شديد في البطن لا ينقطع، ربما لازمني لمدة سنتين كاملتين. إن جسدي لا يتحمل
المشي الطويل لساعات، فما باله بصعود جبل في خمس ساعات متواصلة؟
لكن في لحظة صعود الجبل، كانت كل العوائق النفسية والجسدية تتهاوى، كان
ذهني متحررًا من كل شيء، من كل الأفكار، وكل المخاوف، وحتى كل الآمال، كنت أصب كل تركيزي
على أمر واحد فقط، أنني أريد أن أرى الله.
أريد أن أصعد هذا الجبل، أريد أن أتحدى جسدي، أريد أن أكتشف القوة الكامنة
داخلي. وفي سبيل ذلك كنت أحارب بكل كياني، بعقلي وروحي وأنفاسي. خلال رحلة الصعود هذه
كنت في كامل وعيي، كان عقلي لا يكف عن الاسترسال في حديثه الفلسفي. وكنت على درجة عالية
من الوعي بذاتي وبكل ما حولي من طبيعة وجبال ومن بشر. لم أفقد هذا الوعي المتقد ولو
للحظة واحدة، رغم ما كان يكابده جسدي من مشقة الصعود.
***
3-" في جوهر كل إنسان نفحة من قوة الله"
"الإرادة الحرة": الكلمة التي تهز جنبات روحي وعقلي توقدًا وشغفًا.
سألني مدرس التاريخ: ما الذي تريدينه
الآن؟
قلت: أريد أن أكون إنسانة حقيقية.
لم يفهمني ولم يفهم قصدي بـ "إنسانة حقيقية".
الإنسان الحقيقي هو الإنسان الممتلك للإرادة، الإنسان القادر على الصنع
والإنتاج والتغيير وترك الأثر. أستحضر في ذهني صورة الإنسان الأول، قبل كل ما نعيشه
من عبث التكنولوجيا، الإنسان الذي يتعامل مع الأرض والطبيعة وجهًا لوجه، يغرس يده في
الطين ويعصره بكفين قويتين ليبني منه صرحًا ضخمًا. الإنسان الذي يعرف الله بفطرته قبل
الكتب والشرائع والمسميات.
أريد أن أكون إنسانة حقيقية يا أستاذي.
عقلي مولع بكلمة "إرادة". للإنسان الفرد إرادة منفصلة
ومستقلة عن غيره من الأفراد ومستقلة عن إرادة الله ومتصلة بها وتمثل امتدادًا لها
في ذات الوقت. الله وضع القدر/ أو الكل الكوني نظم نفسه بشكل غاية في الإحكام، حتى
يظن المرء نفسه فأرًا داخل مصيدة لا مفر منها، مصيدة القدر المحكم. ومن الذكاء أن
يظن المرء ذلك ويدركه، يدرك أن له جسدًا يحده، وزمنًا يحده ومكانًا يحده وأحداثًا
تحده، لكن عليه أن يذهب إلى أبعد من ذلك، بعد أن يدرك هذه الحدود جيدًا جدًا عليه أن
يستخدم (عقله) ليكسر كل حد وقيد ويحقق قدرته وإرادته الحرة. العقل والإرادة هما من
صفات الله، وجوهر الإنسان، هو نتفة من جوهر الله، قبس منه، روح منه، الله يفعل،
والإنسان أيضًا يفعل لأن روح الله فيه.
إن توقف الإنسان عن الفعل وعن القدرة فإنه بذلك يستغني عن أهم ما
يميزه كإنسان بحيث لا يعود إنسانًا.
دائمًا ما كان لدي مشكلة مع المسلمات الدينية الراسخة، مثل: الدعاء.
عقلي المتهكم على كل شيء كان يتهكم جدًا على فكرة الدعاء، فببساطة للحياة قوانين،
إن أكلت سأشبع، وإن لم آكل سيضعف جسدي، إن سعيت للوصول لشيء ما سأصل، وإن لم أسع
كفاية لن أصل. ما دخل الدعاء بكل ذلك؟ لماذا يريدون إقناعي بأنني إن دعوت الله –الذي
لا أستطيع التأكد من أنه موجود بالمعنى الحرفي- فإن ذلك سيغير شيئًا؟ سيجعل وصولي
للشيء يتحقق مثلًا، أو يجعل مرضًا ما في جسدي يشفى أو خطرًا محدقًا بي يزول؟
هل الله بابا نويل؟ هل الله رجل يطل علينا من السماء بعصا سحرية
لتحقيق أمانينا التي لا نستطيع تحقيقها؟ ولماذا يحقق أمانينا نحن بالذات؟ لماذا
يحقق أماني المسلمين أو المسيحيين؟ هل يحقق أماني البوذيين أيضًا؟ ثم إني جربت أن
أدعو الله كثيرًا فلم أجد أي استجابة! دعوت ألا يسافر أبي وسافر، دعوت أن يبتاع لي
الحلوى ولم يفعل، دعوت سنة كاملة ألا أفقد شيئًا ووجدت نفسي في النهاية قد فقدت كل
شيء! حسنًا ها هي التجربة نفسها تثبت أنه لا دعاء..
لكني في هذه اللحظة، يتراءى لي، أن الدعاء هو معنى وقيمة أبعد من كل
الكليشيهات التي تم تلقيننا إياها في صغرنا، فعلًا الله ليس بابا نويل، ولم يكن
الغرض من الدعاء قط أن يكون الله في نظرنا بابا نويل، وفي ظني أنه إن كان من الدعاء
حكمة، فحكمته أنه شكل من أشكال الإرادة الحرة للإنسان. رخصة أعطاها الله للإنسان حتى يحقق إرادته
وقدرته. وفي صحيح الدعاء أن الدعاء يرتبط بالعمل، يرتبط بالسعي والصبر والمكابدة،
إلى جانب استحضار روح الله داخلنا، استحضار جوهرنا الممتلك للإرادة، وفي لحظة
الاستحضار لابد من أن تتحقق غاياتنا.
كأن الله يقول للإنسان بمنحه الدعاء: أنت حر، أنت قادر، أنت قوي، أنت
مؤثر بقدر ما أنا مؤثر، أنت مؤثر بقدر ما أنت موقن بي ومسلم لي.
وأنا أقلب في صفحات دفتري الشخصي لهذه السنة، الملآن بالنصوص الخاصة
والصلوات المتلهفة، وجدت أنني كنت طوال الوقت أستخدم الدعاء، في كل لحظة، في كل
حرف كتبته في دفتري، وكل حرف كتبته على صفحات مدونتي أو الفيسبوك خاصتي، وكل حرف
كتبته حتى في رسائلي لأصدقائي، طوال الوقت كنت أستخدم قدرتي وعزمي وشعوري القوي
بالله حاضرًا بداخلي. ولذلك، لا عجب، من أن كل حرف كتبته يتحقق أمامي الآن. كل مرة
سعيت فيها لبلوغ تفتح الذهن، ها هو يتفتح أمامي يوميًا، وكل مرة سعيت فيها لمعرفة
الحب، ها أنا أتلمسه يوميًا. هل قلت أنه لا دعاء استجاب لي؟ بل كل ما دعوته
استجيب.
***
يذكرني صديقي: لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
***
4- ما فعلته بي سانت كاترين:
كل تلك المعاني قبل رحلة سانت كاترين كانت داخلي كأفكار فلسفية مجردة
وليس كإيمان ديني. أفكار فلسفية متعلقة بالخير والشر وحقيقية الإنسان والوجود، كنت
أفكر أنه هناك موجود أعلى/ صورة مثالية/ كمال ينبغي للإنسان الوصول إليه وفي بعض
الأحيان نطلق على هذا الموجود الأعلى اسم الإله أو الله أو الرب. هذا الموجود
الأعلى هو الحقيقة القصوى، التي يحاول الإنسان بلوغها من خلال الصدق وحده، فإننا
مثلًا لا نسرق لأن السرقة هي في جوهرها عبارة عن كذب أي أننا ندعي كذبًا امتلاك
شيء ليس لنا، ونحن لا نزني لأن الزنا في جوهره كذب أي أننا ندعي لحظة اتحاد وحب هي في
حقيقتها ليست إلا أنانية ووحدوية. لا نقتل ولا نغش ولا نفعل أمورًا كثيرة لأننا
نحاول بجد أن ننبذ الكذب ونتحرى الصدق لنصل يومًا ما للحقيقة القصوى، للجوهر
الأعظم، الذي قد نسميه "الله"، لنصل للخلاص، من كل أشكال الدنيا
وخداعها، ونمسك بيدنا شيئًا أصيلًا وحقيقيًا، يروي ظمأنا وعطشنا.
لكن ما حدث تحديدًا في سانت كاترين، كان أشبه بعملية ضغط الفحم حتى يتحول إلى ماس،
هذه الأفكار الفلسفية كانت سانت كاترين بجبالها وبالرفقة التي حظيت بها فيها تعمل
على ضغطها وصهرها واختبارها، كانت النظرية العقلية تتحول لواقع روحي فعلي أعيشه
وأختبره، أختبر الإنسان الصادق الذي بداخلي، أختبر قدرته على التحمل، أختبر صلابة
ذهنه، وقدرته على الاختيار حتى تحت الضغط الجسدي، إن كل ذلك قد حول أفكاري المجردة
إلى إيمانيات تقع في مستوى أعمق من مستوى العقل، تقع في روحي.
صار الله أوضح وأقرب إلى روحي مما سبق. ليس كفكرة فلسفية عن الخير والجمال، بل كإيمان صادق في قلبي، كنت ببساطة أخطو أول خطوة نحو روح الإنسان الأول الموجودة في جوهر أعماقي، الإنسان الذي يعرف الله بقلبه، قبل الحضارة، وقبل الفكر.
بعد سانت كاترين، العودة للحياة اليومية باتت أمرًا صعبًا، المواصلات والشوارع والدروس الخصوصية والناس، كل هذا العالم بكل ما فيه ومن فيه كان بعيدًا جدًا عني، حتى أنا نفسي كنت بعيدة عن نفسي، تائهة وذائبة داخل تيار جارف لا أعرف له اسمًا ولا شكلًا، ولكني أعرف أنه "الحق". رؤيتي اختلفت، وعيي اختلف، صار أكثر اتساعًا، لا تحده حدود الزمان والمكان، انطلق لفيض أبدي لا ينقطع.. لكن الواقع يهددني بشراسة، يجب أن أعود للحياة! يجب أن أعود للانتظام في الدراسة! بهذه الحال سأرسب بكل تأكيد، يجب أن أجد طريقة، تجعلني أستمر في ممارسة حياتي اليومية، إلى جانب استغراقي في هذا الفيض الروحي. وهذه الطريقة كانت بالنسبة إلي هي: الدين المنظم.
صار الله أوضح وأقرب إلى روحي مما سبق. ليس كفكرة فلسفية عن الخير والجمال، بل كإيمان صادق في قلبي، كنت ببساطة أخطو أول خطوة نحو روح الإنسان الأول الموجودة في جوهر أعماقي، الإنسان الذي يعرف الله بقلبه، قبل الحضارة، وقبل الفكر.
بعد سانت كاترين، العودة للحياة اليومية باتت أمرًا صعبًا، المواصلات والشوارع والدروس الخصوصية والناس، كل هذا العالم بكل ما فيه ومن فيه كان بعيدًا جدًا عني، حتى أنا نفسي كنت بعيدة عن نفسي، تائهة وذائبة داخل تيار جارف لا أعرف له اسمًا ولا شكلًا، ولكني أعرف أنه "الحق". رؤيتي اختلفت، وعيي اختلف، صار أكثر اتساعًا، لا تحده حدود الزمان والمكان، انطلق لفيض أبدي لا ينقطع.. لكن الواقع يهددني بشراسة، يجب أن أعود للحياة! يجب أن أعود للانتظام في الدراسة! بهذه الحال سأرسب بكل تأكيد، يجب أن أجد طريقة، تجعلني أستمر في ممارسة حياتي اليومية، إلى جانب استغراقي في هذا الفيض الروحي. وهذه الطريقة كانت بالنسبة إلي هي: الدين المنظم.
***
5- الدين المنظم حلقة وصل بين الروح والجسد
في طريق العودة من سانت كاترين إلى القاهرة، أخبرت رفيق رحلتي أنني أظن أنه إن كان هناك دين أحق بأن يتبع، فإن غرض الدين في حياة الإنسان أن يرسم له الخطوط العريضة للخطأ والصواب. لكن في الأساس المعيار الحقيقي للخطأ والصواب هو في داخل الإنسان، في جوهر كل إنسان بوصلة تمكنه من التصرف والاختيار والاتجاه، والدين فقط يساعد الإنسان على ألا يضل ضلالًا بعيدًا عن جوهره بوضع خطوط عامة له يمكنه أن يسترشد بها.
وأنا الآن أذهب بتفكيري إلى ما هو أبعد من ذلك، فأقول أن الدين ليس فقط "يضع الخطوط العامة" بل إنه حلقة الوصل بين أجسادنا وأرواحنا. بإمكان أرواحنا وحدها أن تستدل على الخير وعلى الله، أن تشعر بقوة وجلال وجمال الله، أن تغرق في بحر وفيض لا نهاية له من الحب والغبطة والسرور الروحي. لكنها كي تترجم هذا الإحساس إلى صورة مفهومة وإلى ممارسة يومية تحتاج إلى "الدين"، أي أن الدين هو الممارسة اليومية للشعور الروحاني الصافي.
سألتني صديقة، ما أهمية الدين في وجهة نظرك؟
فأجبت:
"الدين هو احتواء لإحساسي.. تكملة له.. تحويله لإطار الممارسة الفعلية اليومية.. بدل ما أنا مرهقة من طول الهيام في عظمة الله.. أنا بمارس الهيام والحب ده بشكل يومي ومستمر ومريح وبيخليني قادرة أكمل حياتي.. ده دور الدين في وجهة نظري.. إن هو مكمل لشيء في الأصل جوانا.
"الدين هو احتواء لإحساسي.. تكملة له.. تحويله لإطار الممارسة الفعلية اليومية.. بدل ما أنا مرهقة من طول الهيام في عظمة الله.. أنا بمارس الهيام والحب ده بشكل يومي ومستمر ومريح وبيخليني قادرة أكمل حياتي.. ده دور الدين في وجهة نظري.. إن هو مكمل لشيء في الأصل جوانا.
واللي جوانا ده بس هو اللي يقدر يحدد أنهي تفسير من تفاسير الدين اللي
الناس بتتوه ما بينها هو الصح أو هو الأصح.
شخص زيي، معندهوش أي دافع في الحياة إنه يصحى الصبح من النوم ويشوف وراه
ايه.. عمليًا مفيش حاجة في حياتي أشخاص/شيء أخاف عليه يروح أو حتى شكل اجتماعي أخاف
عليه يبوظ.. أو أي نيلة تدفعني إني أقوم والله.. الحاجة الوحيدة اللي فعلًا بتحركني
إني بفكر في إن ربنا موجود في تفصيلة ما هشوفها لو قمت من السرير.
فإني أقوم عشان أصلي بالذات.. أقوم عشان أقابل ربنا، ده أكبر دافع ممكن
إنسان يملكه عشان يصحى الصبح.
سألتيني هي ليه خمس صلوات وليه في أوقات محددة؟ ليه مش كل واحد يصلي
بطريقته؟
أنا بشوف إن ده عشان الفكرة اللي شرحتها من شوية.. احنا مش مجرد أرواح
هائمة.. لأ لينا وجود مادي ولينا أجساد.. الأجساد دي محتاجة النظام عشان تؤدي مهامها
وتعيش مبسوطة.. أنا مش بعبد ربنا بروحي بس.. بعبده بجسمي وعقلي وكلي. أنا محتاجة الأوقات
المحددة دي عشان جسمي يفضل يقظ.. وعشان كل ما همتي تقل الصلاة والإلزام اللي فيها يقويني.
طب وليه الحركات والتفاصيل التانية محددة أوي كدة؟
أنا مش شايفة دي نقطة كبيرة أو تستحق كل ما يثار حولها.. بس هي في نفس
الوقت نقطة مش صغيرة ومش تافهة بردو.. زي ما قلتلك أنا كنت بعيط إني مش عارفة أعبد
ربنا ازاي.. شكل الصلاة ده بالظبط هو بالنسبالي حاجة بتريحنا من عناء "ازاي"..
وبتخلي الصلاة كمان قابلة لإنك تعلميها لحد غيرك.. أو تشاركيها مع حد غيرك.. تصلي مع
اللي بتحبيهم.. بشكل كلكم متفقين عليه.. ليه لازم ناخد بالنا أوي من الحركات والتفاصيل
دي ومنغلطش فيها؟ عشان نحافظ على الشكل ده للعبادة.. زي ما بتحافظي على الآثار كدة
وبترمميها عشان الزمن ميبوظهاش.. يمكن لو فرطنا في التفاصيل الصغيرة هوب نلاقي التفاصيل
الكبيرة اختلفت."
***
وبذلك نستطيع القول إن الإحساس الروحاني، أو التصوف، هو جوهر الدين،
وإن نزعناه من الدين فإننا بذلك ننزع منه جوهره، أي نحوله إلى كتلة جامدة من
الأوامر والنواهي التي لا تنطوي على معنى ولا على فائدة أو قيمة، وربما أيضًا
ذهبنا أبعد من ذلك فحولناه إلى أداة لسفك الدماء ودبابة تدهس كل من ليس على هواها
تحتها دون رحمة ودون منطق.
***
6- على أرض الواقع، ما الذي تغير في إيثار بعد سانت كاترين؟
على أرض الواقع ربما صارت حياتي أعقد وأكثر تشابكًا، وتحدياتها صارت
أصعب، فأنا أسابق الزمن وأسابق نفسي كي أمر من هذه السنة الدراسية بنجاح. وفي ذات
الوقت أتعامل مع أمور جديدة كليًا بالنسبة إليّ مثل الدين. في تعاملي مع الدين لم
أفكر كثيرًا، وأنا أمسك القرآن وأقرأه بصوت عالٍ، لم أفكر أبدًا في كل الجدالات
الدينية الدائرة حولي هذه الأيام، لم أفكر في صراعات الملحدين والمتدينين
المحتدمة، ولم أفكر في أي جانب علي أن أقف وأي الصفوف علي أن أدعم، لم أفكر حتى هل
هذا القرآن حقًا منزل من الله أم أنه اختراع بشري؟ وإن كان منزلًا من الله، فكيف
وصل إلينا بهذه الصيغة التي نستطيع فهمها كبشر؟ ولماذا باللغة العربية تحديدًا
وليس بأي لغة أخرى؟ صدقًا لم أفكر في أي من ذلك، فكرت فقط، أنه يا إلهي كم هذا
القرآن جميل! كم أجد نفسي غارقة في حروفه أرى روحي داخلها، وتتكشف لي عند قراءته
صور وأفكار لم تخطر لي من قبل، أو ربما خطرت لي مئات المرات، لكنها لم تكن بهذا
الوضوح والرسوخ. ربما أجد آية ما تلم بفكرة فلسفية طالما شغلتني، أو آية تخاطب
ضعفًا ما في نفسي فتجبره. إنني أتواصل معه، أتواصل مع حروفه، كشيء حي. يجعلني هذا
القرآن شخصًا أفضل.
على أرض الواقع، أنا أخوض يوميًا معركة مع المجهول، لا أعرف حتى من
عدوي الذي أصارعه، أختبر حيرة الإنسان الأول، وأصبر على أمور ترهق نفسي، ولا أملك
إلا أن أستمر في سعيي المتواصل، نحو أن أكون إنسانة أكثر، أن أعرف أكثر، وأحب
أكثر، وأقارب جوهر الحقيقة أكثر. إنني حقًا أعيش عيشة محاربة قديمة شرسة تريد أن
تنتصر.