الجمعة، 1 أبريل 2016

ما فعلته بي سانت كاترين - الجزء الأول

1 - مقدمة لا بد منها:

قبل كل مقال أنشره، يتملكني خوف شديد، فأنا في هذه المقالات أتحدث فقط من خلال تجربتي الشخصية عن أفكاري: عن الكون وعن أمور فلسفية عدة تتعلق بنا كبشر. كثيرًا ما أفكر، ما الذي يضمن صحة ودقة ما أقوم بكتابته ونشره؟

لكني في لحظة ثقة وبصيرة، أخبرت أختي أنني أعتقد بشدة أن لأرواحنا طريقتها الخاصة في التفكير ومنطقها الذي يختلف عن المنطق العقلي، وأن هذه الطريقة في التفكير التي يمكن أن نسميها "الحدس" ليست اعتباطية، وليست خاضعة لهوى كل إنسان، وليست ساذجة، بل إنها تمتلك القوة والأصالة الكافية للكشف فعلًا عن الحقائق وتفسير الأمور، ولها مبادئها وأسسها.

صحيح أن هذه المبادئ والأسس لا أستطيع أن أضع يدي عليها الآن بشكل كامل، وأشرحها بالتفصيل، لكنني أعرف "بحدسي" أنها موجودة. إن روحنا قادرة على التفكير باستقلال عن العقل.

وفي هذا المقال، أترك روحي، تتحدث بمنطقها الخاص، أمام الجميع، دون خوف ولا ستار.
***


2 - "إن وعينا البشري له القوة والأصالة"
كثيرًا ما أقع في الحيرة الأخلاقية عندما أضطر للحكم على شخص ما أنه قام بعمل سيئ أو جيد،  أواجه السؤال الوجودي الآتي: إن كانت الظروف والأقدار مخططة وموضوعة مسبقًا، إذًا لماذا يلام الإنسان إذا تصرف بشكل خاطئ نتيجة لهذه الظروف؟
ما هي حدود إرادة الإنسان الحرة، مقارنة بحدود إرادة الله؟
ولنكن أكثر موضوعية وعقلانية، يمكننا الاتفاق على استبدال لفظ "الله"، بأن نطلق عليه "الوعي أو العقل الكوني" الذي يجاوز وعينا المحدد كبشر. ولنعد السؤال كالآتي: ما حدود الإرادة الحرة (للإنسان الفرد) مقارنة بحدود إرادة العقل الكوني الأكبر؟
هل الإنسان محكوم تمامًا بالظروف البيئية والاجتماعية والزمنية المحيطة به؟ هل حتى هو محكوم تمامًا بجسده وقدراته الحسية وبنيته النفسية التي قد لا تكون في وضعها المثالي؟ فقد يكون جسده مقيدًا أو محبوسًا، أو قد يعاني من ضعف في السمع أو البصر أو أي من قدراته الحسية، أو قد يكون صاحب بنية نفسية لا تساعده على التعامل بمرونة مع الحياة.
هل الإنسان هو مجرد شيء تتحكم فيه كل الأمور السابق ذكرها؟ هل هو مجرد ترس في آلة ضخمة؟ هل هو مسلوب الإرادة؟ هل العقل الأكبر/ أو الله وحده هو من يريد ويفعل ونحن لا نملك أن  نريد ولا نملك أن نفعل؟ وإن كان بمقدور الفرد أن يريد وأن يفعل، فما حدود تلك الإرادة وما أثر ذلك الفعل؟

منذ حوالي شهرين، سافرت إلى سانت كاترين، وحظيت خلال هذه الرحلة برفقة طيبة، صعدنا سويًا جبل موسى. وخلال صعود الجبل، كانت الإجابة عن سؤال: "الإرادة" تتشكل داخلي.

قال صديقي: كنت أعرف أن جسدكِ لا يستطيع صعود الجبل، لكني كنت متأكدًا أن عقلك وقلبك يستطيعان أن يفعلا ذلك!
أجل يا صديقي، أنا التي لم تسافر يومًا إلى أي مكان بمفردها، والتي تعاني من هموم ثقيلة منذ طفولتها، هموم لا تكبلها نفسيًا فحسب، بل تقيد جسدها، لي تاريخ طويل مع جسدي المتعب والواهن طوال الوقت الذي يعبر عن الحزن بطريقته، في طفولتي كان من المتكرر أن أتعثر في الطريق وأقع، هكذا يعبر جسدي عن وحدتي وحاجتي للاهتمام، وفي سن أكبر، كان يلازمني مغص شديد في البطن لا ينقطع، ربما لازمني لمدة سنتين كاملتين. إن جسدي لا يتحمل المشي الطويل لساعات، فما باله بصعود جبل في خمس ساعات متواصلة؟
لكن في لحظة صعود الجبل، كانت كل العوائق النفسية والجسدية تتهاوى، كان ذهني متحررًا من كل شيء، من كل الأفكار، وكل المخاوف، وحتى كل الآمال، كنت أصب كل تركيزي على أمر واحد فقط، أنني أريد أن أرى الله.
أريد أن أصعد هذا الجبل، أريد أن أتحدى جسدي، أريد أن أكتشف القوة الكامنة داخلي. وفي سبيل ذلك كنت أحارب بكل كياني، بعقلي وروحي وأنفاسي. خلال رحلة الصعود هذه كنت في كامل وعيي، كان عقلي لا يكف عن الاسترسال في حديثه الفلسفي. وكنت على درجة عالية من الوعي بذاتي وبكل ما حولي من طبيعة وجبال ومن بشر. لم أفقد هذا الوعي المتقد ولو للحظة واحدة، رغم ما كان يكابده جسدي من مشقة الصعود.
***

3-" في جوهر كل إنسان نفحة من قوة الله"
"الإرادة الحرة": الكلمة التي تهز جنبات روحي وعقلي توقدًا وشغفًا.
 سألني مدرس التاريخ: ما الذي تريدينه الآن؟
 قلت: أريد أن أكون إنسانة حقيقية.
لم يفهمني ولم يفهم قصدي بـ "إنسانة حقيقية".
الإنسان الحقيقي هو الإنسان الممتلك للإرادة، الإنسان القادر على الصنع والإنتاج والتغيير وترك الأثر. أستحضر في ذهني صورة الإنسان الأول، قبل كل ما نعيشه من عبث التكنولوجيا، الإنسان الذي يتعامل مع الأرض والطبيعة وجهًا لوجه، يغرس يده في الطين ويعصره بكفين قويتين ليبني منه صرحًا ضخمًا. الإنسان الذي يعرف الله بفطرته قبل الكتب والشرائع والمسميات.
أريد أن أكون إنسانة حقيقية يا أستاذي.
عقلي مولع بكلمة "إرادة". للإنسان الفرد إرادة منفصلة ومستقلة عن غيره من الأفراد ومستقلة عن إرادة الله ومتصلة بها وتمثل امتدادًا لها في ذات الوقت. الله وضع القدر/ أو الكل الكوني نظم نفسه بشكل غاية في الإحكام، حتى يظن المرء نفسه فأرًا داخل مصيدة لا مفر منها، مصيدة القدر المحكم. ومن الذكاء أن يظن المرء ذلك ويدركه، يدرك أن له جسدًا يحده، وزمنًا يحده ومكانًا يحده وأحداثًا تحده، لكن عليه أن يذهب إلى أبعد من ذلك، بعد أن يدرك هذه الحدود جيدًا جدًا عليه أن يستخدم (عقله) ليكسر كل حد وقيد ويحقق قدرته وإرادته الحرة. العقل والإرادة هما من صفات الله، وجوهر الإنسان، هو نتفة من جوهر الله، قبس منه، روح منه، الله يفعل، والإنسان أيضًا يفعل لأن روح الله فيه.
إن توقف الإنسان عن الفعل وعن القدرة فإنه بذلك يستغني عن أهم ما يميزه كإنسان بحيث لا يعود إنسانًا.
دائمًا ما كان لدي مشكلة مع المسلمات الدينية الراسخة، مثل: الدعاء. عقلي المتهكم على كل شيء كان يتهكم جدًا على فكرة الدعاء، فببساطة للحياة قوانين، إن أكلت سأشبع، وإن لم آكل سيضعف جسدي، إن سعيت للوصول لشيء ما سأصل، وإن لم أسع كفاية لن أصل. ما دخل الدعاء بكل ذلك؟ لماذا يريدون إقناعي بأنني إن دعوت الله –الذي لا أستطيع التأكد من أنه موجود بالمعنى الحرفي- فإن ذلك سيغير شيئًا؟ سيجعل وصولي للشيء يتحقق مثلًا، أو يجعل مرضًا ما في جسدي يشفى أو خطرًا محدقًا بي يزول؟
هل الله بابا نويل؟ هل الله رجل يطل علينا من السماء بعصا سحرية لتحقيق أمانينا التي لا نستطيع تحقيقها؟ ولماذا يحقق أمانينا نحن بالذات؟ لماذا يحقق أماني المسلمين أو المسيحيين؟ هل يحقق أماني البوذيين أيضًا؟ ثم إني جربت أن أدعو الله كثيرًا فلم أجد أي استجابة! دعوت ألا يسافر أبي وسافر، دعوت أن يبتاع لي الحلوى ولم يفعل، دعوت سنة كاملة ألا أفقد شيئًا ووجدت نفسي في النهاية قد فقدت كل شيء! حسنًا ها هي التجربة نفسها تثبت أنه لا دعاء..
لكني في هذه اللحظة، يتراءى لي، أن الدعاء هو معنى وقيمة أبعد من كل الكليشيهات التي تم تلقيننا إياها في صغرنا، فعلًا الله ليس بابا نويل، ولم يكن الغرض من الدعاء قط أن يكون الله في نظرنا بابا نويل، وفي ظني أنه إن كان من الدعاء حكمة، فحكمته أنه شكل من أشكال الإرادة الحرة للإنسان.  رخصة أعطاها الله للإنسان حتى يحقق إرادته وقدرته. وفي صحيح الدعاء أن الدعاء يرتبط بالعمل، يرتبط بالسعي والصبر والمكابدة، إلى جانب استحضار روح الله داخلنا، استحضار جوهرنا الممتلك للإرادة، وفي لحظة الاستحضار لابد من أن تتحقق غاياتنا.
كأن الله يقول للإنسان بمنحه الدعاء: أنت حر، أنت قادر، أنت قوي، أنت مؤثر بقدر ما أنا مؤثر، أنت مؤثر بقدر ما أنت موقن بي ومسلم لي.
وأنا أقلب في صفحات دفتري الشخصي لهذه السنة، الملآن بالنصوص الخاصة والصلوات المتلهفة، وجدت أنني كنت طوال الوقت أستخدم الدعاء، في كل لحظة، في كل حرف كتبته في دفتري، وكل حرف كتبته على صفحات مدونتي أو الفيسبوك خاصتي، وكل حرف كتبته حتى في رسائلي لأصدقائي، طوال الوقت كنت أستخدم قدرتي وعزمي وشعوري القوي بالله حاضرًا بداخلي. ولذلك، لا عجب، من أن كل حرف كتبته يتحقق أمامي الآن. كل مرة سعيت فيها لبلوغ تفتح الذهن، ها هو يتفتح أمامي يوميًا، وكل مرة سعيت فيها لمعرفة الحب، ها أنا أتلمسه يوميًا. هل قلت أنه لا دعاء استجاب لي؟ بل كل ما دعوته استجيب.
***

يذكرني صديقي: لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
 ***

4- ما فعلته بي سانت كاترين:
كل تلك المعاني قبل رحلة سانت كاترين كانت داخلي كأفكار فلسفية مجردة وليس كإيمان ديني. أفكار فلسفية متعلقة بالخير والشر وحقيقية الإنسان والوجود، كنت أفكر أنه هناك موجود أعلى/ صورة مثالية/ كمال ينبغي للإنسان الوصول إليه وفي بعض الأحيان نطلق على هذا الموجود الأعلى اسم الإله أو الله أو الرب. هذا الموجود الأعلى هو الحقيقة القصوى، التي يحاول الإنسان بلوغها من خلال الصدق وحده، فإننا مثلًا لا نسرق لأن السرقة هي في جوهرها عبارة عن كذب أي أننا ندعي كذبًا امتلاك شيء ليس لنا، ونحن لا نزني لأن الزنا في جوهره كذب أي أننا ندعي لحظة اتحاد وحب هي في حقيقتها ليست إلا أنانية ووحدوية. لا نقتل ولا نغش ولا نفعل أمورًا كثيرة لأننا نحاول بجد أن ننبذ الكذب ونتحرى الصدق لنصل يومًا ما للحقيقة القصوى، للجوهر الأعظم، الذي قد نسميه "الله"، لنصل للخلاص، من كل أشكال الدنيا وخداعها، ونمسك بيدنا شيئًا أصيلًا وحقيقيًا، يروي ظمأنا وعطشنا.
لكن ما حدث تحديدًا في سانت كاترين، كان أشبه بعملية ضغط الفحم حتى يتحول إلى ماس، هذه الأفكار الفلسفية كانت سانت كاترين بجبالها وبالرفقة التي حظيت بها فيها تعمل على ضغطها وصهرها واختبارها، كانت النظرية العقلية تتحول لواقع روحي فعلي أعيشه وأختبره، أختبر الإنسان الصادق الذي بداخلي، أختبر قدرته على التحمل، أختبر صلابة ذهنه، وقدرته على الاختيار حتى تحت الضغط الجسدي، إن كل ذلك قد حول أفكاري المجردة إلى إيمانيات تقع في مستوى أعمق من مستوى العقل، تقع في روحي.
صار الله أوضح وأقرب إلى روحي مما سبق. ليس كفكرة فلسفية عن الخير والجمال، بل كإيمان صادق في قلبي، كنت ببساطة أخطو أول خطوة نحو روح الإنسان الأول الموجودة في جوهر أعماقي، الإنسان الذي يعرف الله بقلبه، قبل الحضارة، وقبل الفكر.
بعد سانت كاترين، العودة للحياة اليومية باتت أمرًا صعبًا، المواصلات والشوارع والدروس الخصوصية والناس، كل هذا العالم بكل ما فيه ومن فيه كان بعيدًا جدًا عني، حتى أنا نفسي كنت بعيدة عن نفسي، تائهة وذائبة داخل تيار جارف لا أعرف له اسمًا ولا شكلًا، ولكني أعرف أنه "الحق". رؤيتي اختلفت، وعيي اختلف، صار أكثر اتساعًا، لا تحده حدود الزمان والمكان، انطلق لفيض أبدي لا ينقطع.. لكن الواقع يهددني بشراسة، يجب أن أعود للحياة! يجب أن أعود للانتظام في الدراسة! بهذه الحال سأرسب بكل تأكيد، يجب أن أجد طريقة، تجعلني أستمر في ممارسة حياتي اليومية، إلى جانب استغراقي في هذا الفيض الروحي. وهذه الطريقة كانت بالنسبة إلي هي: الدين المنظم.
***

5- الدين المنظم حلقة وصل بين الروح والجسد
في طريق العودة من سانت كاترين إلى القاهرة، أخبرت رفيق رحلتي أنني أظن أنه إن كان هناك دين أحق بأن يتبع، فإن غرض الدين في حياة الإنسان أن يرسم له الخطوط العريضة للخطأ والصواب. لكن في الأساس المعيار الحقيقي للخطأ والصواب هو في داخل الإنسان، في جوهر كل إنسان بوصلة تمكنه من التصرف والاختيار والاتجاه، والدين فقط يساعد الإنسان على ألا يضل ضلالًا بعيدًا عن جوهره بوضع خطوط عامة له يمكنه أن يسترشد بها.
وأنا الآن أذهب بتفكيري إلى ما هو أبعد من ذلك، فأقول أن الدين ليس فقط "يضع الخطوط العامة" بل إنه حلقة الوصل بين أجسادنا وأرواحنا. بإمكان أرواحنا وحدها أن تستدل على الخير وعلى الله، أن تشعر بقوة وجلال وجمال الله، أن تغرق في بحر وفيض لا نهاية له من الحب والغبطة والسرور الروحي. لكنها كي تترجم هذا الإحساس إلى صورة مفهومة وإلى ممارسة يومية تحتاج إلى "الدين"، أي أن الدين هو الممارسة اليومية للشعور الروحاني الصافي.
سألتني صديقة، ما أهمية الدين في وجهة نظرك؟
فأجبت:

"الدين هو احتواء لإحساسي.. تكملة له.. تحويله لإطار الممارسة الفعلية اليومية.. بدل ما أنا مرهقة من طول الهيام في عظمة الله.. أنا بمارس الهيام والحب ده بشكل يومي ومستمر ومريح وبيخليني قادرة أكمل حياتي.. ده دور الدين في وجهة نظري.. إن هو مكمل لشيء في الأصل جوانا.
واللي جوانا ده بس هو اللي يقدر يحدد أنهي تفسير من تفاسير الدين اللي الناس بتتوه ما بينها هو الصح أو هو الأصح.
شخص زيي، معندهوش أي دافع في الحياة إنه يصحى الصبح من النوم ويشوف وراه ايه.. عمليًا مفيش حاجة في حياتي أشخاص/شيء أخاف عليه يروح أو حتى شكل اجتماعي أخاف عليه يبوظ.. أو أي نيلة تدفعني إني أقوم والله.. الحاجة الوحيدة اللي فعلًا بتحركني إني بفكر في إن ربنا موجود في تفصيلة ما هشوفها لو قمت من السرير.
فإني أقوم عشان أصلي بالذات.. أقوم عشان أقابل ربنا، ده أكبر دافع ممكن إنسان يملكه عشان يصحى الصبح.
سألتيني هي ليه خمس صلوات وليه في أوقات محددة؟ ليه مش كل واحد يصلي بطريقته؟
أنا بشوف إن ده عشان الفكرة اللي شرحتها من شوية.. احنا مش مجرد أرواح هائمة.. لأ لينا وجود مادي ولينا أجساد.. الأجساد دي محتاجة النظام عشان تؤدي مهامها وتعيش مبسوطة.. أنا مش بعبد ربنا بروحي بس.. بعبده بجسمي وعقلي وكلي. أنا محتاجة الأوقات المحددة دي عشان جسمي يفضل يقظ.. وعشان كل ما همتي تقل الصلاة والإلزام اللي فيها يقويني. طب وليه الحركات والتفاصيل التانية محددة أوي كدة؟
أنا مش شايفة دي نقطة كبيرة أو تستحق كل ما يثار حولها.. بس هي في نفس الوقت نقطة مش صغيرة ومش تافهة بردو.. زي ما قلتلك أنا كنت بعيط إني مش عارفة أعبد ربنا ازاي.. شكل الصلاة ده بالظبط هو بالنسبالي حاجة بتريحنا من عناء "ازاي".. وبتخلي الصلاة كمان قابلة لإنك تعلميها لحد غيرك.. أو تشاركيها مع حد غيرك.. تصلي مع اللي بتحبيهم.. بشكل كلكم متفقين عليه.. ليه لازم ناخد بالنا أوي من الحركات والتفاصيل دي ومنغلطش فيها؟ عشان نحافظ على الشكل ده للعبادة.. زي ما بتحافظي على الآثار كدة وبترمميها عشان الزمن ميبوظهاش.. يمكن لو فرطنا في التفاصيل الصغيرة هوب نلاقي التفاصيل الكبيرة اختلفت."
***

وبذلك نستطيع القول إن الإحساس الروحاني، أو التصوف، هو جوهر الدين، وإن نزعناه من الدين فإننا بذلك ننزع منه جوهره، أي نحوله إلى كتلة جامدة من الأوامر والنواهي التي لا تنطوي على معنى ولا على فائدة أو قيمة، وربما أيضًا ذهبنا أبعد من ذلك فحولناه إلى أداة لسفك الدماء ودبابة تدهس كل من ليس على هواها تحتها دون رحمة ودون منطق.
***

6- على أرض الواقع، ما الذي تغير في إيثار بعد سانت كاترين؟
على أرض الواقع ربما صارت حياتي أعقد وأكثر تشابكًا، وتحدياتها صارت أصعب، فأنا أسابق الزمن وأسابق نفسي كي أمر من هذه السنة الدراسية بنجاح. وفي ذات الوقت أتعامل مع أمور جديدة كليًا بالنسبة إليّ مثل الدين. في تعاملي مع الدين لم أفكر كثيرًا، وأنا أمسك القرآن وأقرأه بصوت عالٍ، لم أفكر أبدًا في كل الجدالات الدينية الدائرة حولي هذه الأيام، لم أفكر في صراعات الملحدين والمتدينين المحتدمة، ولم أفكر في أي جانب علي أن أقف وأي الصفوف علي أن أدعم، لم أفكر حتى هل هذا القرآن حقًا منزل من الله أم أنه اختراع بشري؟ وإن كان منزلًا من الله، فكيف وصل إلينا بهذه الصيغة التي نستطيع فهمها كبشر؟ ولماذا باللغة العربية تحديدًا وليس بأي لغة أخرى؟ صدقًا لم أفكر في أي من ذلك، فكرت فقط، أنه يا إلهي كم هذا القرآن جميل! كم أجد نفسي غارقة في حروفه أرى روحي داخلها، وتتكشف لي عند قراءته صور وأفكار لم تخطر لي من قبل، أو ربما خطرت لي مئات المرات، لكنها لم تكن بهذا الوضوح والرسوخ. ربما أجد آية ما تلم بفكرة فلسفية طالما شغلتني، أو آية تخاطب ضعفًا ما في نفسي فتجبره. إنني أتواصل معه، أتواصل مع حروفه، كشيء حي. يجعلني هذا القرآن شخصًا أفضل.
على أرض الواقع، أنا أخوض يوميًا معركة مع المجهول، لا أعرف حتى من عدوي الذي أصارعه، أختبر حيرة الإنسان الأول، وأصبر على أمور ترهق نفسي، ولا أملك إلا أن أستمر في سعيي المتواصل، نحو أن أكون إنسانة أكثر، أن أعرف أكثر، وأحب أكثر، وأقارب جوهر الحقيقة أكثر. إنني حقًا أعيش عيشة محاربة قديمة شرسة تريد أن تنتصر.

الثلاثاء، 29 ديسمبر 2015

عن الجسد: كتلة الألم ومحاولات الخلاص

نشر هذا المقال على موقع ساسة بوست في 7 ديسمبر 2015
الرابط من هنا.

***
كالعادة، أنا في هذه المقالات، أدوّن أفكاري وعاطفتي في آن واحد، ولا أستطيع فصل إحداهما عن الأخرى.
لذلك سأبدأ بالجزء العاطفي: منذ أربعة أعوام تحديدًا، مثل أي بنت تكبر وتبلغ بدأ وعيي بجسدي يتشكل، أو بمعنى أدق: وعيي بـ"الألم الجسدي"، الألم العميق، الذي يحتل المشهد فجأة وبدون مقدمات. حالة عامة من التوتر المنبعث من الجسد والمنصب على الجسد. تبدأ أسئلة حول الشكل، هل شكلي جميل؟ أسئلة حول المجتمع، كيف يجب أن أتصرف مع من حولي من خلال هذا الجسد الجديد؟ ماذا ألبس؟ وكيف أتصرف؟ ولماذا أنا ضجرة أغلب الوقت؟ كيف ينظر الآخرون إلى جسدي؟ لماذا جسدي يسبب كل هذا التوتر وكل هذه الأسئلة وكل هذا الألم؟

عند تلك النقطة الحساسة كنت أشعر بحالة عامة من الانفصال بيني وبين جسدي الجديد، فأنا لا أفهمه، وهو متعب ومتقلب أغلب الوقت، وصرت أكثر عزلة وأكثر قلقًا في التعامل مع الناس من خلاله، ثم في مرحلة تالية، جربت –مثلما جرب معظم الفتيات- أن أرتدي ملابس واسعة تغطي كل جسدي مع وضع غطاء على رأسي "ما يسمى بالحجاب"، فعلت ذلك كما تفعل أي فتاة في سني، لأنها سمعت من محيطها العام أن الحجاب شيء جميل وواجب على كل بنت، أحببت ذلك لفترة فعلًا، لكن بعد وقت ليس بطويل كنت أكبر وأتغير وأتشكل وأبني أفكاري المختلفة عن السائد، فصرت حقيقة لا أفهم هذا الحجاب، هذا القماش الذي بدا بلا معنى بالنسبة إليّ وقتها. يقول البعض الحجاب فرض، يقول البعض الآخر الحجاب ليس بفرض، يقول البعض الحجاب مهين للمرأة، يقول البعض الآخر الحجاب تكريم للمرأة، وقال لي أحدهم ذات مرة: "الحجاب مهم، أنت كفتاة جسدك كله مفاتن قد تفتنني كذكر" وقد أضجرني هذا القول جدًا، ولم أرغب حتى في مناقشته.

كنت أفكر: أحقًا كل الغرض من الحجاب ألا أثير غرائزك؟ حسنًا لماذا إذا لا تتحجب أمك وأختك أمامك حتى لا تثيرك؟ وبنتك؟ ألسن كلهن يمتلكن أجسادًا أنثوية؟ وإذا كان الحجاب حماية لي من عينيك، فبعض الأموال والحياة المرفهة، قد تضمن لي حماية كاملة وحصانة ولن أضطر لارتداء الحجاب! وما علاقة كل ذلك بـ"الله"؟ لماذا يريد الله منا أن نغطي أجسادنا؟
في العموم هذا كله لم يهمني كثيرًا، ولم أقف أمامه كثيرًا، أنا كنت أتألم جدًا تجاه جسدي وكنت أبحث عن الفكاك من هذا الألم، كان التوتر يتفاقم، صرت أكره الثياب كلها وليس الحجاب فحسب، كنت أقضي وقتًا طويلًا وحدي متخففة من ثيابي بحثًا عن الخلاص من هذا الألم، ولم يكن ذلك يجدي نفعًا فحتى جسدي بدون ثياب يثير توتري. كنت عندما أنظر إلى وجهي في المرآة والحجاب ملفوف حوله يصيبني الجنون، كنت أشعر أن هذا الحجاب صندوق من الحديد يحيط برأسي، وبرأس كل الفتيات حولي، الفتيات في المترو يرتدين صناديق من حديد، الفتيات في المدرسة داخل صناديق من حديد، الفتيات في كل مكان داخل حديد حديد حديد..
عند هذه النقطة، كنت قد سئمت تمامًا، وقررت خلع الحجاب، كنت أبحث عن نوع من التوافق بين ما بداخلي: ذاتي الداخلية، وبين مظهري الخارجي، واعتقدت أن عدم ارتداء الحجاب هو ما سيمنحني ذلك "التوافق"، وسيجعلني طبيعية أكثر، ومنطلقة أكثر، وغير مقيدة، ولكن ذلك.. للأسف.. لم يحدث! عدم ارتداء الحجاب أيضًا لم يجدِ نفعًا ولم يخلصني من أزمة الجسد والتوتر الدائر حوله.

مازال الألم الممل..

ما الحقيقة في ذلك؟ ما هو الانسجام الحقيقي مع الجسد؟ وهل هناك هذا الانسجام حقًا أم هو محض خيال وأمانٍ؟
في هذه المرحلة من حياتي، بعد عامين أو ثلاثة أعوام بدون حجاب، وبعد أن مررت بتغيرات عدة، أنا الآن قد سلمت لفكرة أن هذا التوتر الذي يلازمني ناحية جسدي –ويلازم معظم الفتيات- ليس السبب فيه هو الملبس وليس السبيل للتحرر منه هو التخفف من الملابس أو تغطية الجسد كاملًا حتى لا يبين منه شيء.
إن التحرر من هذا التوتر الدائم متعلق بفهمنا لطبيعة هذا التوتر. أرى التوتر ناحية الجسد شيئًا مستمرًا ولا نهائي، وقد يرتقي ليكون جزءًا أصيلًا من ماهية الجسد الأساسية، أرى الجسد في ذهني عبارة عن كتلة من الألم والتوتر، نحن نولد بفضل الألم الذي تكابده أمهاتنا للمجيء بنا إلى الحياة، وفي كل لحظة منذ ولادتنا نحن نتألم، كل ما يقوم به جسدنا من عمليات أكل وشرب وإخراج وتنفس ينتج عنها الألم، حتى إن اللذة الجنسية ناتجة عن الألم، دورة الحياة في أجسادنا ودورة الطمث في أجساد الفتيات وكل شيء كل شيء هو في حقيقته ألم محض.

إذن إن الألم هو جزء من حياة وتكوين هذا الجسد، وبدون هذا الألم يكون الجسد ميتًا لأن الألم لا يتوقف إلا ساعة الموت.
وعندما أدركت ذلك توقفت عن محاولة التحايل عليه وقهره، وتحولت إلى محاولة التأقلم معه وإدراكه دون جزع أو ضجر.
من خلال تقبل لحظات الألم والتوتر الكبرى وتركها تمر كشيء لا مفر منه، وباحترام جسدي واحترام احتياجاته وعدم محاولة إرغامه على أن يوضع داخل قالب معين لإرضاء الناس والمجتمع، لست مضطرة لأكون جميلة طوال الوقت، أو صافية الذهن طوال الوقت، لست مضطرة لأكون البنت عديمة المشاعر والمصمتة والتي لا تتحدث في أمور الجسد لأبرهن على عفة جسدي وأحاكي النموذج المنتظر للبنت "المحترمة"، ولست مضطرة لارتداء ملابس لا تناسبني لمجرد أنها ستجعلني أجمل في عيون الناس أو أكثر انفتاحًا وعصرية. وأن أتخفف من الألم أيضًا خلال محاولة الاندماج مع العالم من حولي، صحيح أن هذه المدينة لا تكثر فيها مظاهر البيئة الصحية والأشجار والشوارع المريحة الذي يحب الإنسان الاندماج معها، صحيح أن المياه في الصنبور رائحتها كرائحة مياه المجاري تمامًا وأحيانًا يكون لونها غريب أيضًا، لكني حقًا –حقًا- أحاول أن أجعل جسدي يتفاعل مع هذه البيئة دون ضجر، أفكر فقط أن هذا قدري، هذه المياه قدري، وهذه الشوارع قدري، وأني سأقبلها كما هي، وسأعلم جسدي أن يرضى، أن يتأقلم مع كافة الظروف وكافة أشكال الحياة، أن يحب الأتربة والجلوس على الأرض والأرصفة كما يحب السرير النظيف الوثير الدافئ.
***
وعدت، مرة أخرى، لمحاولة النظر إلى الحجاب بعين جديدة، وروح وذهن أكثر انفتاحًا عن ذي قبل، قررت ان أنسى كل ما قرأته أو سمعته من مجادلات وصراعات حول الحجاب، وأن أسأل نفسي بصدق، ما هو الحجاب؟
وكان يلزم قبل ذلك أن أسأل نفسي بصدق: ما هو الله؟ وما هو الدين؟
وأجبت بصدق: الله هو الحقيقة القصوى بداخلنا يا إيثار.

إن الله بداخلي له صوت أعلى من كل الأصوات الخارجية، ومن حقي أن أستفتيه، وأن أحاول استنباط فهم مختلف يريح قلبي، من حقي أن أسأل نفسي، إن كان هناك دين، إن كان هناك حجاب، فيا ترى، لماذا هذا الحجاب هو عبادة وأمر مقدس؟
وجاوبت نفسي علي كالتالي: إننا كإناث يا إيثار جميلات، وأنت تعرفين ذلك، خلقنا لنكون جميلات، في تركيبنا وفي فكرتنا وفي مظهرنا، وجزء كبير نسبيًا بداخلنا يدفعنا لتكثيف جمالنا المظهري، وإبرازه، وليس من عيب في ذلك بلا شك. إنه جزء منا. والإفراط فيه قد يجعلنا نصل لأن نحصر الأنثى كلها في المظهر الخارجي فقط.
وفي العموم فكرة "إبراز الجمال" هذه، حتى في إطارها المقبول والطبيعي والمعتدل، فهي تحمل داخلها نوعًا من أنواع التوتر، والسؤال الدائم عن "ماذا أكون في عيون الآخرين؟"
وإذا نظرنا إلى أمر التوتر حول الجسد الذي يلازم الأنثى نفسها، فإني أرى يا صغيرتي أن الحجاب قد يكون نوعًا من أنواع تخفيف التوتر نحو الجسد من خلال إعلاء قيمة الروح على قيمة الجسد، أي أن الحجاب هنا، هو تخفف روحي من كل هذه الأفكار وكل هذا التوتر، هو عقيدة، التي قررت أن تعتنقها –في وجهة نظري- يجب أن تنشد من خلالها الوصول لشعور بأن جسدها ليس هو ذاتها الحقيقية، بل هو مظهر خارجي، وأنها تريد تهميش هذا المظهر وفق خطتها في السمو بروحها، وخطتها هذه بالتأكيد تشمل مجموعة من الممارسات الروحانية التي لا تقتصر على الحجاب فقط.

إنها تؤمن بذلك في كل الأوقات، في بيتها، وفي الشارع، وسط الرجال ووسط النساء، هي تدرك طوال الوقت قيمة روحها وتحاول الاتصال معها بشكل أكبر، إرضاء للحقيقة التي بداخلها، التي تحاول الاقتراب منها، وهي "الله".
وهذا الحجاب متعلق بالأنثى وبتعاملها مع ذاتها وبعلاقتها بربها أكثر مما هو متعلق بالذكر وشهواته.
وهذا أيضًا يعني –في وجهة نظري- أن الحجاب أمر راجع كلية للمرأة، وهي وحدها التي لها الحق في تقرير إن كانت سترتديه أم لا، وهل هي على القدر الكافي من الالتزام الأخلاقي والديني لذلك أم لا.

نعم الحجاب بهذه النظرة التي أراه بها أمر حسن، وعبادة نتقرب بها من الله، لكنها –ككل العبادات- من حق كل إنسان أن يختار الوقت والطريقة والأسلوب الذي يناسبه لتطبيقها، وعليه أولًا أن يشعر بحاجة ملحة لفعل هذه العبادة، حاجة نابعة من شعوره الديني الخاص والشخصي وليس لأي شخص آخر الحق في فرض أي عبادة عليه.
***
حين أراقب الفتيات في الشوارع وفي المدرسة وأفواج البنات في "السنتر" التعليمي، أتساءل هل هذا هو الحجاب؟ إنني لا أرى تلك الروحانية التي أبحث عنها، بل أرى نفس الصناديق الحديدية الذي أفجعتني منذ أعوام، أرى فقط فتيات في مقتبل العمر، لم يحظين بكثير من التجارب، ارتدين الحجاب لأنه لعوامل اجتماعية صار الحجاب هو السائد وهن يتبعن السائد. هن مطالبات بغطية أنوثة هن غير واعيات بها من الأساس، فقط ليكسبن لقب "محترمة". كيف يكون المرء مخلصًا في عبادته إن لم يكن واعيًا بها؟
الحجاب المنتشر حاليًا هو في ذهننا الجمعي تكريس لفكرة الجسد وليس تخففًا منها، هو يكرس لفكرة أن الأنثى قيمتها في مقوماتها الجسدية، وأنها ترتدي الحجاب لتزيد من ثمن جسدها، فالبضاعة المغطاة قيمتها أكبر من البضاعة المكشوفة، وصار البعض يتفنن في عرض هذه الفكرة، فمرة يشبهون الأنثى بالمصاصة التي إن تركت مكشوفة سيلتم حولها الذباب، ومرة يشبهونها بـ"التابلت" الذي يجب أن يغطى حتى لا يخدش! والشباب ينجرفون في أفواج وراء هذا الكلام. وعوضًا عن أن هذا المفهوم يهين الأنثى ويجعلها مجرد سلعة، فهو أيضًا يتنافى مع أي غرض روحاني يمكن أن تستنبطه أو تتأمله من الحجاب، ويحوله من عبادة روحانية للتقرب إلى الله إلى ممارسة اجتماعية تكرس لمفهوم تسليع المرأة والتعامل معاها كوعاء للجنس والشهوة، وتنفر الكثير منه وتخلق الكراهية نحوه.
***
هل سأرتدي الحجاب يومًا ما؟ إن وصلت لاحتياج روحاني حقيقي متغلغل فيّ لهذا الحجاب فسأفعل. وأعتقد أني لن أصل لهذه النقطة إلا بعد حسم الكثير من الجدالات والأسئلة التي تدور في ذهني حول تطبيق فهمي للحجاب على أرض الواقع، أسئلة لا أجد الإجابة عنها حتى الآن، مثل: ماذا لو كان الدين الحقيقي كشريعة ونصوص لا يطابق شعوري الديني الخاص؟ وما الذي يؤدي إليه الحجاب وسط المنظومة العامة التي تحكم وتحدد دور المرأة ووجودها؟ هل هو يدعم دورها؟ أم يحده؟ هل الشريعة في العموم تحد دورها وتجردها من إمكانياتها؟

لا أعتقد أن في أسئلة شديدة الحساسية مثل هذه سيكون الوصول للإجابة سهلًا، أو سريعًا، ربما يستغرق سنوات طوال، ويحتاج الكثير من المجهود والبذل الذهني والفكري.
لكني في كل الأحوال، سأظل، أثق في ما يخبرني به قلبي.


الأحد، 13 سبتمبر 2015

العلاقة الغرامية بيني وبين شخصية منير الغنائية

لوحة لمحمد منير، رسمتها بنفسي في أكتوبر الماضي


مجموعة ألبومات منير هي رفيقي الدائم الوحيد منذ السنوات الأولى لمراهقتي، وهي الحقبة العمرية المثالية لسماع (منير)، فلـ (منير) شخصية غنائية فريدة تجتاح كافة أغانيه، وتلك الشخصية جذابة جدًا بالنسبة لمراهقة صغيرة.

 منير يمثل من خلال أغانيه الشاب الصغير، المقارب جدًا للشاب المصري في بداية حياته بشخصيته وتناقضاته، وأحلامه الصغيرة، ووطنيته المستوحاة من الأشعار والأغاني والأناشيد الوطنية.

 مفردات أغاني منير بسيطة تلك البساطة التي توحي بالسذاجة أحيانًا، فيتكرر في أغانيه حديث عن: القمر والنجوم، الأشجار، البحر، الشطآن، عيون الحبيبة ورموشها الجارحة، طيور الحب، وصوت الناي.

هو الولد المغترب عن بلده في أغلب أغانيه، الذي يعاني ويقاسي في لياليه الطويلة من الغربة والترحال "والحنين القتّال" أو الـ"حنين الجتّال" كما ينطقها منير، ذلك الولد الغريب الباحث عن الحضن والشط والحنان والدفء يطلب من حبيبته الصافية أن تمد يدها لتمسك بيده لأن الطريق زحام وربما يضيعان من بعضهما في زحمة المدينة الصاخبة الحزينة، المدينة التي دفع إليها دفعًا وتاه فيها طويلًا.
حبيبة منير سمراء، وقد أتى على ذكر سمرتها وحلاوتها في أكثر من موضع وأكثر من أغنية، يقول لحبيبته أنه خائف وفي حاجة ماسة لحنانها: "ضميني خديني أنا لاجئ، ولأول مرة بكون صادق"، حنانها الموصوف في أغلب الأغاني أيضًا فمرة يقول: "في عيونك السمر بلقى روحي وكياني، ياللي الحنان سره هو حنانك" و"يا صبية يا.. يا حنينة" و"يا ضحكة العمر الحزين يا حنينة... أنا قلبي شارب من حنانك ما اكتفى" و"أنا بعشق البحر زيك يا حبيبتي حنون".

منير/ الشاب، يريد أن يكون هو وحبيبته في عالم صغير يضمهما، عالم خارج حدود الزمان والمكان والواقع، ويطلب منها أن تشاركه حلمه هذا، وأن تذهب معه في رحلته إلى الخيال.  يغازل حبيبته بكل الغزل العذري التقليدي، بداية من أن يغازل عيونها السمراء وخدودها الرمان، انتهاءً بمغازلة قلبها الشاطر، الغزل الذي يكون له وقع مختلف تمامًا حين يأتي من هذا الشاب الصغير التائه ذي الصوت المبحوح، والكلمات التي تأسر قلبها، وبعد أن تذوب الحبيبة السمراء تمامًا في غزله ويغرق قلبها في الضحك، وتمنحه كل الحب والدفء، تحل ضفائرها للهواء وتتمايل في بحور الهوى، تتمايل على كيفه، في سعادة غامرة  وسحر أسمر غريب، ثم تذهب معه إلى شاطئ النيل، وتسمع أحاديثه الطويلة عن بلادنا والناس الطيبين، يقول: كان يا ما كان.. 
فتقاطعه البنت: كان دلوقتي ولا زمان؟
 فيرد: (ما هو دلوقتي زي زمان!
 كانوا جماعة  في أرض وسيعة،
 فيها طبيعة وناسها الصافية
تروي الصحرا بعرق العافية
الأرض الساكتة تبوح بساتين!
الله الله!
قمح وياسمين!
يا ما شاء الله!
والناس عايشين بما يرضي الله
والناس عايشين..
بما يرضي الله.)

وماذا بيدي أنا المراهقة الصغيرة التي لم تحظَ بتجارب سابقة، إلا أن أقع في حبه؟ وأن أهيم بغزله الصبياني؟ وأزهو بغنائه لسمرتي الجميلة؟ وأن أخرج كل طاقات حبي وحناني استجابة لإلحاحه المستمر وتغنيه بجروحه وآلامه؟ ماذا بيدي أن أفعل عندما يقول لي "حبي كلي جروحي" إلا أن أحبها كلها وأحفظها في قلبي الصغير بكل صدق ووفاء ومحبة؟
وماذا أفعل تجاه أحاديثه الوطنية إلا أن أتحدث بها مثلما تحدث هو؟ في مرة أخبرت أخي أن أغاني منير جزء من وطنيتي وحبي لهذا البلد، فضحك مني، لكني كنت صادقة فيما أقول، لم أحب مصر كثيرًا في البداية، ووطنيتي الحالية مستحدثة، ولا أنكر أن العاطفة الوطنية في أغاني منير الممتزجة بالعاطفة للحبيبة السمراء هي من الأشياء التي أثرت فيّ بشدة.
حين أسمع منير أراه يغني لي، لي أنا تحديدًا، أرى نفسي البنت التي "حضنها دفا وقلبها وفا"، يقول: اتكلمي ولا ناديني.. صمتك كلام بيدفيني، فأجيب: حاضر يا حبيبي، وأفعل ما يطلب دون تفكير.

تعلق أختي على أغاني منير قائلة أن منير رمز لعدم الجدية وعدم الالتزام وأغانيه تتحدث عن الشاب الذي يبحث عن الحب السريع الطياري، الذي يهتم باللحظة الراهنة فقط ثم يترك حبيبته لينتقل لحبيبة جديدة، متعللًا بضعفه وآلامه، وأنا أرد على ذلك بأنه ربما  يكون صحيحًا بنسبة ما، لكن وإن يكن! يقول المثل خد صاحبك على عيبه، وأنا أقبل منير بعيوبه التي تبدأ بأنه يعيش دور المسكين والمجروح طوال الوقت ويبتز حبيبته عاطفيًا، وأيضًا أنه يعيش في عذاب طويل مع نفسه ويماطل فيه دون داعٍ، وأن أفكاره عن السعادة بدائية، وفي أفضل الأحوال هي أفكار مراهق لا يعرف ما ستفعله به الأيام وكيف ستفطر قلبه، فكيف يعتقد أنه عندما يفتح زر قميصه للنسيم والأماني أن ذلك سيحل من مشاكله وأمره شيئًا، أو سيوفر له المال، أو يحقق له أحلامه؟ وكيف يحاول إقناعي أن أذهب معه لبلاد لا تعرف الخداع؟ وهل يظنني ساذجة لأصدق هذا الكلام؟
لكنني أقبل صديقي على عيبه، بكل جروحه، كما يجدر بأية مراهقة أن تفعل، تمامًا.

الاثنين، 24 أغسطس 2015

المغارة المقدسة

حين فتحت عيني اليوم للحظة الأولى، وتركتهما تتجولان في الغرفة وبين الزوايا، رأيت أمورًا تتجسد في ذهني، أمورًا كنت أعرفها من قبل، لكني لم أرها من هذه الزاوية  التي تتجسد وتترابط أمامي اليوم من قبل، رأيت "الجنس"، و"الحب"، "والاغتصاب" في كيان مترابط له دلالاته ومعانيه. فمثلًا، قد سمعت كثيرًا مصطلح "الاغتصاب الزوجي"، والكلمة وحدها كانت كفيلة برفضي للاغتصاب الزوجي بالطبع، لكني وأنا أرفض لم أكن أدرك بشكل دقيق ما هو الاغتصاب الزوجي؟ 
حسنًا كنت أيضًا أسمع أن "الرجل يحتاج الجنس والمرأة تحتاج الحب" وكلما دخلت هذه العبارة إلى ذهني انطلقت صافرات الانذار.. دخيل! دخيل! دخيل!.. ذهني يصفر عند سماع هذه الجملة، كيف للمرأة ألا تحتاج الجنس؟ وكيف للرجل ألا يحتاج الحب؟ هذا الكلام مهترئ وغبي ومحدود جدًا بالنسبة إليّ، وكنت أنعت قائله بالغبي في اللحظة الأولى.
كنت كذلك قد عرفت معلومات وإن كانت غير كاملة ومحدودة -وهذا بسبب قلة المصادر التي تناقش ذلك بشكل علمي واضح ولأني لا أجيد قراءة الإنجليزية فلا أستطيع البحث عن مصادر بلغة أخرى- عن جسدي الأنثوي، عن تلك "الفتحة المخفية، المغارة التي تؤدي أحيانًا إلى المتعة، وأحيانًا إلى الألم، ودائمًا إلى اليأس" كما وصف خوان خوسيه مياس فتحة المهبل، هذا الوصف الذي صعقني، حيث لم أعرف كيف لرجل أن يصف ويتكلم بلسان أنثى عن جسدها وإحساسها به إلى هذا الحد؟
المهم، كنت أعرف أن هذه المغارة التي وصفها مياس هي لا تبين إلا كفتحة صغيرة تمامًا، ثم تتمدد لتدخل أشياء وتخرج أشياء، وأن عملية الدخول تحديدًا يلزمها أن تكون الأنثى مستعدة ومهيئة نفسيًا وجسديًا.
حسنًا حسنًا.. كنت أعرف كل هذه الأشياء، لكن ماذا حدث عندما فتحت عيني اليوم للحظة الأولى؟
رأيت هذه المغارة في ذهني، وبدت كمغارة مقدسة تمامًا، يقف على جانبيها العسس والحراس، ومفتاحها الوحيد هو "الحب".. ماذا؟ هل هذا يعني أن المرأة تحتاج الحب والرجل يحتاج الجنس؟ تقريبًا، لكن ليس بالشكل الذي يصوره المجتمع في ذهننا الجمعي، بمعنى؟ أن الأمر متشابك ومترابط ومتكامل، المغارة لكي تفتح أبوابها وترحب بالوافد بكل ود ومحبة تحتاج القبلات والكلمات واللمسات، التي تمثل "الحب".. بدون هذه القبلات واللمسات سيكون الأمر مؤلمًا أكثر من كونه ممتعًا. حسنًا حسنًا.. الأمر في ذهني تكون كالآتي: هذه المغارة، ذات الحراس، هي هدية من الطبيعة، هدية إلهية، لتعلمنا الحب، لتقول لنا: لن تحصلوا على المتعة إلا إن بذلتم الحب، ستجنون الألم فقط إن بخلتم بالحب. 
وهذا الخطاب غير موجه للرجل وحده، بل للمرأة أيضًا، لأنها في كثير من الأحيان تطمس هذه الرسالة وهذا الخطاب ولا تستمع إليه ولا ترى الحكمة في جسدها، لكنه موجه للرجل بشكل أكبر، لأنه الأقل لمسًا لهذه الحقيقة وأبعادها، لأنه لا يملك ذات المغارة، لأنه لا يشعر بذات الألم واليأس اللذين حدثنا عنهما "مياس"، لأن المرأة وحدها، إن كانت أمًا أو أختًا أو زوجة، هي القادرة على زرع هذا الحب في الرجل وتعليمه إياه، إن أدركت حقًا معنى أنوثتها والحكمة منها ولم تفرط فيها.
وبدا الاغتصاب انتهاكًا لهذا الجسد وهذه المغارة المقدسة، دون أي اعتبار أو احترام لها، لخصوصيتها وهويتها، ولا يفرق كثيرًا، إن كان هذا الاغتصاب من حقير يمشي في الشارع، أو حقير يجلس معي في نفس البيت، كله اغتصاب وكلاهما حقير.
وكلانا، رجلًا وامرأة، نحتاج الحب والجنس في آن واحد، بنفس القدر، لتستقيم حياتنا ونفوسنا.

سعاد، بطلة قصتي القصيرة التي لم أنته منها بعد، والتي أتحدث عنها أكثر مما أجلس لأكتبها، وأدعي أن الحديث عنها يسهل عملية كتابتها، امرأة متوسطة الجمال، في قرية صغيرة، متزوجة من رجل غريب ومستغلق على الفهم، هذا الرجل ينفجر فجأة في البكاء فتحتضننه سعاد كأم كبيرة ترمم ما به من كسور وألم، وهنا تحديدًا، تتخذ علاقتهما شكلًا جديدًا، وتعرف سعاد لأول مرة في حياتها معنى "النشوة"، و"المتعة". قصة سعاد هذه غيرت في نظرتي للأمور، هذا حقيقي وغريب، غريب أن تؤثر فيك وتغير منك بطلة قصة أنت نسجتها في خيالك، لكن هذا بالفعل ما يحدث معي أنا وسعاد، هذا الوضع العاطفي الغريب الذي نتج (الرجل ضعيف يبكي والمرأة أم تحتضن) استثار لذة معينة داخل سعاد، وأنا أكتب هذه الفقرات بين سعاد وزوجها، صرت في حيرة من أمري، هل هذا مشهد عاطفي أم مشهد جنسي؟ جنسي أم عاطفي؟ أم يا ترى عاطفي أم جنسي؟ لا أعرف لا أعرف!
لا أجد هذا الخط الفاصل بين ما هو "عاطفي" وما هو "جنسي"؛ الأمران متداخلان ومتماهيان بطريقة تصعب عليّ الفصل بينهما. ونقلتني قصة سعاد هذه لنظرة جديدة أو لنقل "إحساسًا" جديدًا وتذوقًا مختلفًا للعاطفة والجنس، وأقول "إحساسًا" لأنني لم أستطع أن أصل لصورة واضحة عن الأمر، هو يقع في شعوري فقط حتى الآن ولا أستطيع وصفه، لكنني "أحسه"، وربما أكتب عنه بالتفصيل في مرة أخرى.

 يومًا بعد يوم أتأكد من أن الكتابة تطهرنا وتغير فينا وتجعلنا ننمو. أنا ممتنة لكل حرف أكتبه في قصة أو مقال أو في يومياتي الشعورية في دفاتري الخاصة. الكتابة صلاة إلى أن أجد صلاتي. وقد صرت أبحث عن ماهية الكتابة والفن عمومًا بكل أشكاله: ما هو الفن؟ وكيف يكون الفن فنًا؟ وماذا يلزمنا حتى ندرك الفن؟ هذه أسئلة كثيرة لم تتضح إجاباتها بعد في ذهني، لكنها حين تتضح بالتأكيد سأكتب عنها.

لكن من المهم، الإشارة، لافتقادنا الأدبي لكتابة النساء عن الحب والجنس والعواطف، المرأة لا تكتب في هذه الأمور، نعم أنا واضحة في ذلك "المرأة لا تكتب في هذه الأمور"، لأنها حتى إن تطرقت إليها وكتبت فيها تكتب كما كتب أسلافها من الرجال، تكتب فيها بوجهة نظر ذكورية، ولا تقوى الكثير من الكاتبات النساء على أن تكتب من وجهة نظرها هي، بحياتها الداخلية، بتفاصيلها وأفكارها ومشاعرها، أن تخرج عن القالب الذي وضعه الرجال من قبلها وقولبوها داخله، وهي لا تفعل إلا أنها تمشي على خطاهم، وتنظر للأمور بنفس نظرتهم. طبعًا هناك من كتبن وألفن وخرجن بدواخلهن إلى النور، لكن ما تزال النسبة قليلة.

وهذا ما أحاول فعله، أحاول أن أخلق كتابتي الخاصة، وهذا ممتع وصعب في آن واحد، وفي كثير من الأحيان مدهش، لأني أكتشف أمورًا مختلفة وأرى العالم بنظرة مختلفة، كما يحدث معي حينما أكتب قصة "سعاد".

انتهى حديثي لليوم.
24 أغسطس 2015

الأربعاء، 8 أبريل 2015

زر الأنوثة

هذا المقال عن الأنثى من أنثى. ليس مادة علمية ولن تجد فيه معلومات دقيقة من مصادر معينة، لأنه كله عبارة عن تجربة شخصية بحتة، لأنثى تبلغ من العمر 16 عامًا فقط، تعايش وتلاحظ وتكتشف الأنوثة داخلها. فهذا سرد أنثوي، شخصي، فكري، وعاطفي، عن الحب، والأنوثة، والأمومة، والحياة. وتعمدت ذكر سني لأوضح أن المرأة قادرة على اكتشاف الأنثى بداخلها في أي سن وأي وضع. ولهذا أيضًا فهذا المقال انتصار وتحقيق للأنثى التي بداخلي، واعتراف بها وإثبات لوجودها..

تتدرج مفاهيم الحب والاحتياج حسب خبرتك وتجربتك، وحسب مدى احتياجك له في حياتك، أول مفاهيم الحب في فترة المراهقة مثلًا تتمثل في فكرة "لفت الانتباه"، أن يلتفت أحدهم إليك، ينظر إليك، يعجب بك، ثم تتدرج المفاهيم، بعد مفهوم لفت الانتباه ننتقل للاحتياج، أنك تحتاج لأن تجد اهتمامًا وعناية من أحدهم، ثم المشاركة، أن تحتاج لأن تشارك أحدهم ويشاركك، ثم الرغبة في العطاء، ثم المرحلة الكبرى، "الرغبة في الحياة"، في هذه المرحلة يتحول الحب في وجهة نظرك لرغبة في الحياة، وكلما ذقت المزيد من أنواع الموت من عزلة وشتات وتخبط وعدمية ازداد إيمانك وشوقك إلى هذه الحياة. هذه الرغبة وهذا الشوق وقوده هو كل التجارب المريرة ولحظات الوحدة وصدماتك في الحياة وإدراكك لذاتك، بجوانبها الحسنة والقبيحة.

يتحول كل شيء عدا الحب لموت، والحب وحده الحياة. والحب هنا يشمل الحياة بأكملها، أي أنه يشمل كافة أشكال الحب، الحب الأبوي والأمومي والأخوي والشبقي، كل أشكال الحب هذه تصب في أني أرغب في الحياة، أني مشتاق للحياة، وأرغب في أن أدفع بكامل قوتي لأحيا، وأرغب أيضًا في أن أجعلك أنت يا أخي/ زوجي/ ابني أن تحيا معي. أرغب أن نحيا سويًا، أرغب في الحياة.

حين يتحول الحب لرغبة في الحياة، لاستمرار الحياة، تكون إحدى تداعيات هذا الحب هي الانجراف لعاطفة الأمومة، الأمومة هنا تكون رغبة عميقة وغريزة أصيلة للبقاء والحياة.

الأمومة تجلٍّ من تجليات "الأنوثة" التي هي موضوع حديثنا، الأنثى هي كيان، والأنوثة هي صفة الأنثى، التي تتعامل من خلالها مع العالم بكونها "أنثى"، وفي فلسفتي الخاصة، أرى الأمومة والجنس وجهان لعملة واحدة، والاثنين يشتركان في أنهما من تجليات الأنوثة.

يتم توظيف هذه التجليات في كل مجتمع وفق معتقداته الخاصة، ففي مجتمع ما، يتم إعلاء قيمة الجنس على حساب الأمومة، وفي مجتمع آخر يتم إعلاء الأمومة على حساب الجنس.. وفي مجتمعنا العربي تكاد قيمة الجنس تدهس دهسًا وتطمس طمسًا، وتبقى في الخلفية الاجتماعية، وحشًا يهاجم الناس، ويقلق منامهم، ويهابونه، رغم أنهم هم من صنعوه وحشًا وتوهموه وحشًا وهو لا ذنب له في كل ذلك.

وهذا ليس حصرًا في ثقافتنا، فعلى مر الأزمنة والثقافات تم عمدًا طمس وتشويه معالم الأنثى، وأرى أن ذلك أدى إلى أن الأنثى نفسها صارت تفضل الأمومة على الجنس –رغم ارتباط أحدهما بالآخر- وسبب هذا التفضيل أنها صارت تجد في الأمومة تجربتها الخاصة جدًا الذي لا يشاركها فيها أحد، الجنس كعملية فسيولوجية يحتاج لشريكين، وربما يحرك الشريك الآخر العملية في اتجاه لا ترغبه أو لا يرضيها، والمجتمع أيضًا يتحكم في شكل هذه العلاقة على المستوى العام وعلى مستوى الأفراد. لكن الأمومة، تجربتها هي ولا دخل لمخلوق فيها سواها. هي تحمل وهي تضع، ومهما بلغ مقدار مشاركة أحد لها في هذه التجربة –حتى زوجها- فالنصيب الأكبر منها يكون لها وحدها. تجربتها الفريدة وربما تكون البشعة والمؤلمة أيضًا، التي مهما حكت عنها لن تستطيع وصفها.

منذ سنتين، كنت وسط مجموعة من الأصدقاء، وكان الحديث دائرًا حول الحب والزواج، كان قطاع كبير منهم يتبنى الرأي القائل: "خلينا نتجوز لكن من غير تعقيدات المجتمع ومن غير أطفال ومن غير الشكل التقليدي للجواز، كإننا مجرد اتنين اختاروا يعيشوا مع بعض، لكن بغطاء اجتماعي مقبول".

علق أحد الأصدقاء قائلًا إنها "كلها بتجر بعضها"، ستحب، إذًا ستتزوج، سترغب في طفل، ثم في طفل ثانٍ وثالث وأسرة كبيرة. وقتها بدا الكلام بالنسبة إلي كبنت صغيرة لا تملك أي تجربة منطقيًّا، لكن غير مفهوم، والجزء غير المفهوم فيه هو أنه: ما الدافع القوي جدًا الذي سيدفعك للدخول بكامل رغبتك واختيارك لدائرة الحب والزواج أصلًا؟ ولماذا تسيطر هذه الفكرة على الناس إلى هذا الحد؟ وبشكل أكثر تحديدًا، ما الذي يدفعني كأنثى لخوض تجربة الحب والزواج والأطفال؟ ما القيمة المضافة لحياتي من خلال تجربة كهذه؟ 

ومر الوقت، وجرت الأحداث بسرعة جنونية، وفي خلال سنتين فقط أصبحت قادرة على فهم هذه المعضلة المتعلقة بالحب، بل وأصبح عندي رغبة عميقة في الحصول على تجربة الحب هذه، ماذا حدث؟ الذي حدث أنه تم الضغط على زر الأنوثة بداخلي. 

ما هو زر الأنوثة؟ زر الأنوثة، هو نقطة معينة في عمق معين داخل كل بنت، عندما تصل إليها، فهي تصل إلى لذاتها، إلى أنوثتها، إلى الجزء المتعطش للحياة بداخلها، والجزء الذي يتوق إلى أن يهب الحياة لمن حوله، أن يهب الحب، ويستقبل الحب، بلا توقف وبلا حدود.

زر الأنوثة هو نقطة بلوغ نفسي وعقلي للأنثى، وهو مختلف عن البلوغ البيولوجي المرتبط بالسن والمرحلة العمرية والهرمونات، فهو يحدث في أي سن، طالما كانت الأنثى مستعدة لحدوثه. وهي بعد وصولها لهذه النقطة داخلها، تتبدل نظرتها لنفسها وللحياة، وتختلف أحلامها وآمالها ومتطلباتها.
زر الأنوثة أيضًا، هو النقطة التي تتخطى فيها الأنثى نظرتها لنفسها من الخارج إلى الداخل، إلى نظرتها لنفسها من الداخل إلى الخارج. ماذا يعني من الخارج للداخل؟ يعني أن الأنثى التي لم تكتشف نفسها بعد، تذهب إلى رؤية نفسها بعيون الآخرين، وتستمد معرفتها بنفسها وتعريفها لما يجب أن تكون عليه من خلالهم ومن خلال معتقداتهم عنها، وعما يجب أن تكون عليه. فإن كان الناس مثلًا يفترضون أن الأنثى يجب أن تكون خجولة، فتصبح هي تقيس أنوثتها على مقياس الخجل الذي وضعه الناس. 

وإن افترضوا أنها يجب أن تكون جريئة وجذابة فهي كذلك تقيس مدى أنوثتها من خلال درجة مطابقتها للصورة القياسية للجاذبية المطلوبة. لكن بمجرد أن تبدأ الأنثى في اكتشاف نفسها من الداخل، فهي تدرك نفسها ككيان مستقل، وتجد لنفسها مواصفاتها الخاصة التي تعبر عن أنوثتها، وتشعرها بوجودها، وتستمد تعريفها لذاتها من ذاتها وليس من الآخرين.

أود العودة للحديث عن الأمومة بالنسبة للأنثى، تجربة الحمل والولادة تبدو لي شيئًا شبه أسطوري، ولا يضاهيه شيء آخر، ودائمًا الولادة متربطة في ذهني بكلمات مثل: جنس، رغبة، متعة، حب، أمومة، أنوثة، ذكورة، إنسان، إنسانية. ومجرد ذكر موضوع الولادة يحرك في ذهني هذه الكلمات جميعها. في ثنائية الجنس والأمومة التي سبق ذكرها، أرى أن المتعة التي ينطوي عليها الجنس، تنتقل لمتعة أكبر وأعمق عندما يفضي هذا الجنس لولادة فرد جديد، وأنه توجد لذة معينة في أن ترى ابنك يمشي أمامك على الأرض، وهناك توق من البشر للحظة التي يرون فيها صغارهم تلك، اللحظة التي يرون أنفسهم في صغارهم، توق في نفس قوة توق الرجل للمرأة، والمرأة للرجل. هذه اللذة هي التي تدفعك إلى حب أبنائك أكثر من أي شيء آخر، أبنائك أنت تحديدًا وليس أبناء أي شخص آخر. 

والآن أستطيع الإجابة عن الأسئلة التي سألتُها لنفسي منذ سنتين، لماذا الناس يهتمون بالحب إلى هذا الحد؟ وماذا يعود علي أنا كأنثى من ذلك؟

ودعوني أجيب عن السؤال الثاني أولًا ثم أتطرق للسؤال الأول: ماذا يعود عليّ من الحب؟ 

أعلم أن الأنوثة مهما بدت لغزًا محيرًا فهي لا تقارن بلغز الذكورة، وأنه ربما لو حاولت يومًا أن أسبر أغوار "زر الذكورة" وأفهمه فإني لن أفهم إلا القليل لتعقيد هذا اللغز، الذكورة معقدة لدرجة أن الإنسان اعتاد على تعقيدها وصار يتعامل معها كشيء مسلم به، ولا يلاحظه أصلا. وأنا لا أعرف متى تحديدًا يشعر الرجل بأنه في حاجة إلى بيت وأطفال، لكني أعرف جيدًا متى تشعر الفتاة بذلك، ربما بمجرد أن تحب ولدًا، وأن تشعر أنها تريد حمايته من كل شيء حتى من نفسه، وربما قبل ذلك بكثير.. البنت تعرف أنها تحتاج إلى طفل عند أول صديقة تحضتنها وتسهر لأجلها وتربت عليها، أو لنختصر كل ذلك، يمكننا أن نقول إن الأنثى تعرف أنها أنثى عندما تستطيع أن تمنح وترعى غيرها وتجد السعادة في ذلك. كل منا داخلها أم تنتظر الفرصة لتخرج. الأم هنا هي المرادف للسعادة، هي رمز للسعادة، للمنح، للرغبة في الحياة، للرغبة في إسعاد الغير. الأم هي كل امرأة تقدر السعادة.

أريد أن أصبح أمًّا لأني أعتقد أن تجربتي الحياتية لن تكتمل بدون أن أصبح أمًّا، وأرى الأمومة مرحلة مهمة في حياة الأنثى أعتقد أني سأسعد جدًّا بأن أعيشها.

أريد أن أصبح أمًّا كي لا أكون وحيدة، كي لا تنهشني الوحدة.

وأريد أن أكون أمًّا لأني أرى أن لدي ما أقدمه لشخص آخر، أرى أن لدي حياة أستطيع نقلها لكائن ما، ليصبح حيًّا هو أيضًا، حي حقًّا، حي بمعنى أنه لا يخاف من الدنيا، بمعنى أنه يحب أن يكبر ويتعلم ويستكشف، ولأني سأحيا به ولأجله.

أريد أن أصبح أمًّا لأصبح شخصًا أفضل، أفضل في التواصل مع ذاته، أفضل روحيًّا، أكثر رحمة بغيره من البشر، وأكثر رحمة بنفسه، ولأن العائلة هي التي تحمينا، صغارنا يمدوننا بالحماية، مثلما نمدهم نحن بها، إنهم يقدمون الحماية لنا من شرنا، من حزننا، من غضبنا، من لوعتنا.

وأريد أن أصبح أمًّا أيضًا لأن تركيبي الجسدي والنفسي يدفعني لذلك، وأنا تعلمت أن أذعن للأصوات المنبعثة من داخلي، لنداء الطبيعة، أن أحترم طبيعتي وأحبها وألبي احتياجاتها. 

والسؤال الثاني، لماذا يشغل هذا الموضوع حيزًا كبيرًا إلى هذا الحد من حياة البشر؟

أعتقد أن المقال كله يعد بمثابة إجابة كافية ووافية عن هذا السؤال، لكن دعنا نقول مثلًا أن حياة واحدة لا تكفي، استمرار الكون يستلزم عدة حيوات متتالية يعيشها الإنسان، من خلال أفراد كُثر، لكنهم في النهاية إنسان واحد، ولهذا يجب على هذا الإنسان أن ينقسم ويكثُر حتى لا يموت.

كل تنويعات الفلسفات والنظريات والمعتقدات في حياة البشر تدور حول "إنهم لا يريدون الموت"، بما فيها المعتقدات الدينية والسياسية والاجتماعية.

في النهاية فكرت أنه بفرض أنني سلمت تمام التسليم بأني أريد أن أصبح أمًّا وأني أقدس ذلك، فماذا سأقدم لطفلي؟ ماذا سأعلمه؟ وكيف ستكون علاقتي به؟

أول ما يخطر في بالي في هذا الصدد، أنه إن كنت أرغب في أن يكون لدي طفل، فعلي قبل أن أوجده أن أوجد نفسي، أن أعيش أنا حياتي، وأخوض تجربتي ومعاركي، أن طفلنا الأول والأبدي هو أنفسنا، أنا طفلة نفسي، علي أن أربيني وأحبني وأمنح نفسي الحرية والثقة والأمان، وأصل بخبراتي إلى استنتاجاتي ومعتقداتي الخاصة، ثم أستكمل هذه التربية والحب في تربية وحب طفلي القادم، الذي سأحبه مثلما أحب نفسي، وأمنحه مثلما أمنح نفسي. 

تربية الإنسان لا يفترض بها أن تكون عملية أقرب لتدجين الدجاج، لذلك لا يجب أيضًا أن نفترض أنه توجد طريقة واضحة وصريحة لإنتاج بشر بالمواصفات التي نريدها تمامًا، أبناؤنا ليسوا دجاجات، وتربية البشر تختلف عن التدجين في أنها تجربة تتطلب من القائم بها الصبر والإنسانية والرحمة، والقدرة على تقبل وفهم الكائن الصغير الذي بين يديك.. التي هي قدرة على تقبل وفهم نفسك في المقام الأول، وفهم إنسانيتك، حتى تتمكن من فهم كائن آخر، تتطلب أن يكون لديك شجاعة لخوض مغامرات عجيبة وأشياء مهولة، وأن تتحمل كل الأشياء الجنونية التي من الممكن أن يعرضك لها ابنك، وأن تجعله هو يعلمك ويقودك ويفهِّمك الحياة من باب مختلف تمامًا، لكن مع الحفاظ على أن تكون أنت ممسكًا به ومتأكدًا من أنه بأمان في رحلته. عليك أن تتحلى بالشجاعة والروح الرياضية لتقبل أن ابنك صحيحٌ أنه جزء منك، لكنه جزء من الإنسان الأكبر، وأنه متفرد، وأن تعامله كأخيك وصديقك قبل أن يكون ابنك.

المقال انتهى : )

الأربعاء، 24 ديسمبر 2014

عن الإلحاد وتحديد المواقف ومحاربة الطواحين

لا أعلم ما معنی أن تقول أنا مؤمن أو أنا ملحد؟ وما أهمية ذلك؟ 

أنا أبلغ من العمر 16 عامًا، بالطبع لأكتب مقالًا كهذا مررت بتجارب فكرية عديدة، لكن مهما بلغت هذه التجارب من تنوع وثراء لا يمكن أن نقارنها بتجارب شخص يبلغ أربعين عامًا مثلًا، وعمره يزيد عن ضعف عمري. عندما يصادف أن يسألني أحدهم عن ملابسات خلعي للحجاب، أو ما هو رأيي في الحجاب، أو ما هي علاقتي بالدين، لا أجد إجابة، أو في واقع الأمر إجابتي تحمل سؤالًا آخر: ما معنی أن يقول شخص يبلغ من العمر 16 ربيعًا أنا مؤمن أو أنا ملحد؟ ما خبرته في الحياة؟ كيف وصل أصلًا لإيمانه أو إلحاده؟ ولماذا أنا مضطرة إلی أن أقدم شرحًا وافيًا ومفصلًا ودقيقًا عن معتقداتي الشخصية التي لم تكتمل بعد وتوجهاتي وأن أواجه أسئلة من هذه النوعية في هذه السن؟ 

في اعتقادي الشخصي، إن تصورك للإله وعلاقتك به، هو نتاج تجربتك الشخصية، الفكرية والوجدانية والحياتية الخاصة. وهي قائمة علی التجربة والملاحظة، ولها شق عقلي وشق وجداني، ولا يصح أن ننظر لأحدهما دون الآخر. الفكرة أن عقلك ووجدانك قد لا يجتمعان قي الوقت نفسه، فربما يكون عقلك في فترة شبابك نشطًا جدًا، وطاغيًا عليك، ولكن وجدانك خامل، أو ليس نشطًا بدرجة نشاط عقلك نفسها. وفي سنٍّ متقدمة، ربما يبدأ وجدانك في الحراك ويتنشط وتبدأ في الوصول إلی النضج الحقيقي، ويبدأ اكتمال رحلتك في الحياة. وقتها، تستطيع أن تحدد علاقتك بإلهك، وبنفسك، وبالحياة.

ولأن هذا النضج، يتطلب الكثير من العوامل، وكما سبق أن ذكرت، هو لا يعتمد علی النضج العقلي فقط، ولا النضج الوجداني فقط، ولكنه يعتمد علی كليهما وعلی تجاربك الحياتية، ومعرفتك بنفسك، فإن هذا النضج لا يحدث لكل الأفراد في العمر نفسه، بعضهم ينضج في سن صغيرة، وبعضهم في أعمار أكبر. 

الإنسان في عمومه، حياته لا تسير علی الوتيرة نفسها، آراؤه تتغير، وتوجهاته تتغير، وحالاته النفسية والعاطفية تتغير، وفي حياة الفرد الواحد، ربما يتأرجح بين التدين واللادينية والإلحاد والتدين المتطرف واللا اكتراث، وسيظل يتغير ويتغير، حتی يصل لمرحلة النضج السابق ذكرها، ويصل لنظرته الخاصة للأمور وللحياة. إن قلت أنا مؤمن اليوم فهذا لا يعني أني بالضرورة سأظل مؤمنًا غدًا، وإن قلت أنا ملحد، فهذا أيضًا لا يعني أني سأعيش وأموت ملحدًا. 

سأعود للسؤال ذاته: ماذا يهمك إن كنت مؤمنة أم ملحدة؟ إن كان فلان ملحدًا أو مؤمنًا؟ 

إن حاولنا أن نجيب عن هذا السؤال، سنجد أن الإيمان أو عدمه في مجتمعاتنا -وفي العالم كله- له اعتبارات أخری غير الاعتبارات الشخصية للفرد. يعني: دينك أو معتقدك، ليس لنفسك، معتقدك للناس أجمعين. 

عندما يكون هناك مجموعة من البشر مؤمنون بشيء ما، وأنت تكفر بهذا الشيء، أو تؤمن بعكسه، فإن ذلك يشكل خطرًا بالنسبة لهم؛ لأن كفرك بما يؤمنون به يعني أنك تهدد منظومة القيم والمعتقدات التي بنوها لأنفسهم. في مصر مثلًا، أعتقد أن ظهور الملحدين وجهرهم بإلحادهم، يمثل خطرًا علی النظام السياسي بشكلٍ كبير، وطبعًا الخطر الاجتماعي أمرٌ مفروغ منه. ومن أجل هذه الاعتبارات السياسية والاجتماعية، أصبح من المهم أن تحدد موقفك، أنت مؤمن أم ملحد؟ لا يهمنا هنا تجربتك كفرد، لا يهم كل هذا الهراء عن النضج وعن الإنسان وعن الكون، كل ما يهم أن تجيب عن السؤال: مؤمن أم ملحد؟ معنا أم علينا؟ ولو مش معانا يبقی لازم يكون علينا! 

بعبارة أخری، يمكننا القول، إن الإيمان والإلحاد، أصبحا أقرب لتصنيف سياسي واجتماعي وعرقي وطبقي أكثر من كونهما شيئًا يخص الفرد ويخص حالته الروحانية وعلاقته بالكون. 

وفي هذه الحالة، يصبح أحدهما مساويًا للآخر في نظري، الملحد مثل المؤمن، لا المؤمن مؤمن ولا الملحد ملحد، الملحد ربما لا يكون ملحدًا حقًا، لكنه مجرد فرد حاول التمرد علی نظامه الاجتماعي فصار ملحدًا فجأة! ولهذا السبب، صرت لا أميل كثيرًا لتصنيف الأشخاص حسب معتقداتهم، وأری أن كل هذه المسميات محض هراء، وأن هناك الكثير من الأشياء تمثل أهمية أكبر من أهمية أن نجلس للنقاش حول هل أنا مؤمن وملحد. 

أنا أرفض أن أدخل في جدالات مشابهة، أرفض أن يتم حصر شريحة الشباب في هذه الدائرة المفرغة، أرفض هذه السطحية التي يتعامل بها البعض، أرفض أن أضيع عمري في محاربة طواحين الهواء، لدي الكثير من الأشياء كي أعيشها، وأتعلمها، وإن أردت شيئًا حقًا فهذا الشيء هو أن أجد نفسي، وأصل للنضج الذي أبحث عنه، والصدق مع الذات، وأن أجد طريقي الخاص وأجد ما يريح عقلي ووجداني، أجد هذه الأشاء لنفسي ومن أجل نفسي، ليس من أجل أحد، وليس من أجل مجاراة المجتمع والنظام السياسي. 

لن أطالبكم بالكف عن تصنيف الناس حسب معتقداتهم بشكل كامل لأن ذلك يستحيل حدوثه، والواقع يحتمه علينا، لكن حاولوا -قدر ما استطعتم- أن لا تنظروا لظاهر الأمور، أنا تحافظوا علی إنسانيتكم وعلی عقلكم وأرواحكم، أن تبقوا علی ما تبقی من صدق بدواخلكم، وأن تحاولوا تقليل رقعة النقاشات غير ذات القيمة، الصراعات التي لا تفضي إلی شيء، أن تبحثوا عن أنفسكم لأنفسكم وليس للناس.

الجمعة، 17 أكتوبر 2014

عن الفيمينزم، الحب في فترة المراهقة، والعلاقات الجنسية

زي ما ذكرت في العنوان فالموضوع بيتكلم عن الفيمينزم والمناداة بحقوق المرأة والحب والعلاقات، ودعونا نستهل حديثنا بفكرة صغيرة. الفكرة بتقول إن المخدرات بتفرز في الجسم مواد كيميائية معينة بتسبب أحاسيس معينة، في حين إن الجسم أصلا بيفرز المواد دي لوحده لكن المخدرات بتضخها بكمية كبيرة، لو الكمية دي كانت كبيرة أوي الجسم مبيقدرش يتحملها، وممكن يتوقف عن العمل خالص، أو بيحصل إن المخدرات دي تبقى مسيطرة على جسمك بشكل كبير وعلى حياتك وتصرفاتك، وتبقى مش قادر تعيش حياة طبيعية وتمارس مهامك اليومية، عشان طول الوقت محتاج المخدر وطول الوقت جسمك تحت تأثيره.

أنا شايفة إن فيه حاجات كتير في حياتنا بتعمل عمل المخدرات، بتسيطر على حياتنا وتصرفاتنا، منها الحب والجنس. الحب والجنس لو مكانوش في مكانهم الصحيح وفي ظروفهم الصحيحة هيكون تأثيرهم على حياتنا سلبي، وبشوف مثلا، إن في مرحلة المراهقة، وهو البني آدم لسة بيتشكل ومدراكه بتتفتح، بيكون تركيبه النفسي لسة مكتملش، وبتكون بنيته النفسية ضعيفة وسهلة التأثر بأي شيء. لما نيجي للبنية النفسية الضعيفة دي ونحط جنبها حاجة ذات تأثير قوي جدًا زي الجنس، الجنس بياخد مساحة كبيرة جدا من حياة الشخص المراهق ده وبيتحكم فيها، زي المخدرات، ما هو الجنس والحب كدة كدة موجودين في حياتنا، وكدة كدة بنحصل عليهم أو هنحصل عليهم بشكل أو بآخر، زي ما الجسم كدة كدة بيفرز المواد اللي بتضخمها المخدرات، لكن لما نزيد جرعة الجنس في فترة زي دي من حياة البني آدم بيبقى ده تأثيره مدمر زي تأثير المخدرات بالظبط. بينتج عندنا العلاقات العاطفية المشوهة، اللي فيها طرف أو الطرفين مع بعض عندهم حالة من الإدمان العاطفي، وبيبقى حبهم لبعض ده مسيطر عليهم لدرجة الهوس، وحياتهم بتبوظ بسببه. وبينتج عندنا الاستغلال الجنسي والعاطفي، بسبب إن ممكن طرف واحد يكون مدمن على الشخص التاني والتاني بيستغل ده. وبتنتج مشاكل كتير تانية هنتكلم عنها في موضوع تاني.

ولذلك، أنا ضد العلاقات الجنسية بين المراهقين، عشان هما مش بيتعاملوا معاها بنضج، وضد العلاقات العاطفية بين المراهقين بردو بصفة عامة إلا في حدود معينة، حدود متوصلش حد فيهم إنه يكون عنده هوس بالشخص اللي هو بيحبه أو إن يكون الحب ده فيه استغلال أو انتهاك لمشاعره. الحب والجنس وجهان لعملة واحدة، سواء ده أو ده، فالاتنين المفروض يكون أساسهم التكافؤ والحرية، الحرية يعني تكون بتحب الشخص ده بمشاعر ناضجة وبكامل إرادتك ووعيك، وتكونوا انتو الاتنين على نفس القدر من النضج العاطفي والعقلي، وانتو الاتنين مستمتعين ومبسوطين. 

في التعامل مع الأنثى في مجتمعنا أنا عندي مشكلة في الاتجاهين، الاتجاه اللي بيرسخ صورة المرأة في علاقتها مع المجتمع والذكور كمفعول به ومغلوبة على أمرها ويفعل فيها وبها وهي لا تفعل، وبين الاتجاه التاني اللي بيبالغ في جعلها فاعلة ومؤثرة وحرة، للدرجة اللي بتوصلنا لإننا نخلي المرأة مركز الكون وأي شيء مهما كان من حقها، لدرجة إننا بننسى أصلا معنى الحرية ومعنى الحق والمستحق، وبنسقف لأي حاجة تيجي فيها كلمة "حرية" وخلاص. ليه بنهاجم الختان والزواج المبكر والتحرش؟ وعمري ما شفت بنت من الفيمينزم بتجيب سيرة العلاقات العاطفية والانتهاك اللي بيحصل للبنات فيها؟ هو مش إن بنت صغيرة تستغل جنسيًا أو عاطفيًا ده ميفرقش حاجة عن إنهم يجوزوها وهي لسة عيلة؟ ولا هو ميزاننا مختل وبنكيل بمكيالين؟ ولا بتتكسفوا تتكلموا عن العلاقات العاطفية؟ طب ما انتو بتتكلموا عن كل حاجة، جيتوا عند دي واتكسفتوا؟

الفكرة إن تعاملنا كله كمجتمع مع الموضوع غلط من أوله لآخره، فيه شريحة كبيرة من البنات بتنجر للعلاقات الجنسية بسبب إن المجتمع بيخوفها منها! بمعنى، البنت الصغيرة، اللي بتحب لأول مرة، وطول عمرها تسمع إن الجنس ده حاجة عيب وبتتكسف تنطق الكلمة أصلا، وطول عمرها بردو بيخوفوها من المشاعر والحب ومن إن ولد يلمسها، وبتحس إن لو ولد مسك إيدها الدنيا هتتهد والقيامة هتقوم، البنت دي، لما تحب ولد، ويمسك إيدها فعلا، وتكتشف قد إيه ده حلو وقد إيه مشاعرها حلوة ومش مقززة زي ما المجتمع كان بيصورهالها، وإن القيامة مقامتش ولا الدنيا اتهدت! بيبدأ يبقى عندها صراع نفسي بين الشيء الجميل اللي هي حاساه ده، وبين المجتمع اللي بيفضل يقولها عيب وحرام وغلط ومينفعش، ولما تتجوزي اعملي اللي انتي عايزاه، ويخوفوها ويقولولها الولد اللي بتحبيه ده بيلعب بيكي وهيسيبك، وهي قلبها بيقولها حاجة تانية، قلبها بيقولها إنه صادق وإن هي على الأقل مصدقاه وإن المشاعر الحلوة اللي ما بينهم دي لا ليها علاقة بجنس ولا بشهوة ولا بأي حاجة من اللي الناس بتقولها. بنات كتير عدوا بالتجربة دي بالحرف كدة زي ما أنا كاتباها، تجربة الصراع النفسي بين الناس ورأيهم وبين قلبها، مينفعش لو عندك بنت ترهبها بالطريقة دي، مينفعش تخلي بنت خايفة من نفسها ومن مشاعرها بالشكل ده، مينفعش تخليها في حالة رعب طول الوقت إنها ممكن تكون شخص سيئ بسبب اللي هي حاساه أو إنها مُستغلة وبيتلعب بيها، ومينفعش تنتهك مشاعرها بالطريقة دي.

وعيها، قولها ده مش وحش بس وقته مش دلوقتي، اسمعها، احترم عقلها وتفكيرها، خاطبها باللي هي تفهمه، متجبلهاش نصوص جافة ومصمتة بتقولها ده حرام وده غلط وانتي غلط، عشان هترفض كل ده ومش هتستوعبه، وهتتجر للي بعد مسكة إيد وبعد الحضن، عشان هتكتشف بردو إن حتى الشهوة والجنس مش وحشين، وإن فيهم حاجات حلوة، وإنها من جواها عايزاهم.

وعيها إن الحياة لازم تكون متوازنة، الحياة مش حب بس، ولا شغل بس، ولا دراسة بس، ولا عيلة ولا هوايات ولا كتب ولا كلام ولا أي حاجة من دي تنفع تكون "محور حياتنا"، لأ لازم يكون عندنا توازن بين كل الحاجات دي في وقت واحد، وإن ده حقها، ولازم هي اللي تطالب بيه، وإن هي لو تعاملت مع الحب بعشوائية وبدون فهم، هتلاقي إن الحب الجميل ده تحول لوحش، وهوب ابتلع حياتها كلها وخلاها إنسانة تعيسة وبائسة، وإن الحب والجنس والمشاعر حلوين وليهم مكانهم الصح ووقتهم الصح. إنها بلاش تخلي نفسها عبدة لحاجة ولا مدمنة على حاجة. وإنها متتهاونش في حق نفسها وتستمتع بكل دقيقة في حياتها.

أنا برفض جدًا فكرة الشرف التقليدية، وفكرة إن البنت مفعول به، وإنها بيتاخد منها حاجة وبتنقص حتة لما حد يلمسها. عشان البنت مش مجرد أداة انت بتستخدمها لإشباع رغباتك الشخصية، هي كمان عندها رغبات، وزي ما بتدي بتاخد، ومش هتنقص حتة، وهتفضل كاملة، شرف البنت في عقلها مش في عذريتها، وكلامي ده مش ترديد لشعارات فارغة ومكررة، فعلا البنت اللي عندها عقل تقدر تحمي نفسها وتقدر تحفظ كرامتها وحقوقها في أي مكان وزمان. طب لو شلنا عنصر إنها مفعول به، وبقت البنت دي فاعلة في العلاقة، وبقت بتاخد زي ما بتدي، وبطلنا نبصلها كأداة جنسية، هل كدة خلاص أي ولد وأي بنت بينهم علاقة جنسية بالتراضي المفروض نوافق عليها؟ في رأيي، لأ. لازم تبقى في إطار محدد، لإن مثلا، لو جينا نقارن بين الولد والبنت في العلاقة دي، هنلاقي إن الولد مش هيغرم حاجة، بنت معاه بيعمل معاها اللي هو عايزه وبرضاها، إنما هي؟ هي أولا في حالة إنها قاصر وغير راشدة فده بلا شك اسمه "استغلال جنسي"، ليه؟ عشان زي ما ذكرنا فوق هي مش هتكون أنثى ناضجة مكتملة النمو، ونفسيًا هتبقى مش قادرة تتعامل مع الموضوع، وهيكون بيمثل لها عبء نفسي كبير، حتى لو كانت مبسوطة ومستمتعة في بعض الأحيان، لكن في أحيان كتير تانية هتكون خايفة ومترددة ومش عارفة تتصرف، والموضوع بياثر على نفسيتها، أو هيدفعها للتعلق الشديد بالشخص اللي بتحبه عشان هو خلاص بقى مسيطر على تفكيرها وحياتها ومتحكم في كل حاجة. وعلى فكرة فيه حالات كتير موازية لحالة القاصر، يعني مثلا، بنت عايشة في بيت أهلها وبيصرفوا عليها ومسؤولة منهم ومهددة إن لو حد عرف عن علاقتها دي تحصل لها مشكلة كبيرة.. مش ده ضغط عليها؟ مش كدة هي لا تملك من أمرها شيئًا زيها زي القاصر؟ وحالات غير دي بردو زيها زي القاصر. الراشدة هي البنت مكتملة النمو الجسماني والعقلي والنفسي، الحرة المالكة لأمر نفسها، اللي علاقة زي دي لا تشكل أي خطر على حياتها، عندك البنت دي؟ لأ، يبقى خلاص.

غير ده، الولد مش هيغرم حاجة بردو لكن البنت ممكن تقع في مصيبة إن العلاقة تؤدي إلى حمل. وده شيء كارثي.

غير ده، إن البنت تنزل من بيتها، وتمشي في الشارع، وتروح تعمل ده، وتستحمل الضغط النفسي، الضغط اللي هو ناتج من خوفها، والضغط اللي ناتج من إنها غالبا عملت مناورات كبيرة وحورت حوارات في البيت عشان تنزل، وكدبت واستحملت صحابها اللي قاعدين يقولولها ده كذا وكذا، واستحملت صراعها الداخلي، واستحملت إنها لو شكتله خوفها يقول عليها نكدية، واستحملت واستحملت واستحملت... كل ده جنب بعضه، كل المخاطر دي وكل التعب ده وكل العبء ده، معناه إن البنت بتبذل مجهود نفسي أكبر من الولد بكتير عشان تكون في علاقة زي دي، فبشكل أو بآخر هي بيتاخد منها حاجة؛ بيتاخد منها طاقتها وحياتها وروحها، في سبيل حد مداهاش أي حاجة قصاد ده. هل شايف إن ده عادل؟ لأ طبعًا. لازم يكون فيه تكافؤ، ازاي انت كراجل أصلا بتستمتع بعلاقة مع بنت متضررة ومش مستمتعة زيك؟ ده أساس الحب، التكافؤ، أساسه إن انتو الاتنين تكونوا مبسوطين. انبساطك وراحتك هتتضاعف (لو انت شخص ناضج عاطفيا وفاهم كلامي) لو انت خليتها سعيدة. لما تحس إن هي سعيدة، هتحس إنك مؤثر في حياتها، والانبساط ده هيعود عليك.

لو انت وفرتلي للبنت دي حماية وأمان، وضمنتلي إنها ناضجة وواعية باللي بتعمله، وضمنتلي إن كل حاجة زي الفل، هوافق على كلامك. هاتلي بنت حرة، وناضجة، ومبتبذلش مجهود خرافي زي ده عشان تعمل حاجة زي دي، وبتحس بالأمان، ومعندهاش مشكلة إنها تعلن عن علاقتها قدام الناس، وأنا هوافق والله ومش هعترض. عارف البنات دول ممكن تلاقيهم فين؟ في الغرب حضرتك مش عند العرب. أيوة سامعاك ياللي جبت التايهة وقولتلي يلا وماله لما نبقى زي الغرب؟ وماله لما نتحرر؟ مالهوش حضرتك، وماله فعلا لما نتحرر، بس عاوزة أقول إن كل مجتمع له ثقافته، اللي اتشكلت عبر العصور، واللي كلنا اتربينا عليها ومزروعة فيك وفيا وفيها وفيه وفينا كلنا غصب عننا. أصلا حضرتك لو وفرت لبنت حماية وأمان يبقى ده = إنك توفرلها شكل اجتماعي مقبول يخليها مش خايفة ويخليها بتتعامل بحرية، يعني اللي هو في مجتمعنا = الجواز.

والدنيا في الغرب مش هيصة يعني، مش أي واحدة بتروح مع أي واحد، لأ الموضوع أكيد له قواعد، العلاقات برا بتبقى معلنة، بنقول فلان الفلاني مرتبط بفلانة الفلانية! يعني "إشهار". عارف تعريف الجواز عندنا هو إيه؟ هو الـ"إشهار" بردو. هما اللي بيعملوه زيه زي الجواز، علاقة معلنة بتكلف للطرفين حقوقهم، بس بقوانين مجتمعهم هما وثقافتهم هما، علاقة معترف بيها اجتماعيًا وسط مجتمعهم، وساعات بيخلفوا ويربوا عيالهم زي براد بيت والست أنجلينا جولي. حاول تبص للأمور بعقلك ومتقلدش تقليد أعمى. الهدف من الجواز هو إن اتنين رايدين بعض يكونوا مع بعض ويعيشوا قدام الناس بشكل مقبول اجتماعيًا من غير خوف ولا قلق، والاتنين واخدين حقوقهم الاجتماعية تالت ومتلت، الهدف هو علاقة ناضجة بين اتنين ناضجين متساويين في الحقوق والواجبات، ومبسوطين مع بعض ومش خايفين، كون بقى إن الجواز بقى بيعة وشروة وفرح وفلوس وسفرة وصالون دي حاجة متخصناش، كون إن الجوازة بقت زي الختم على قفانا كدة، واللي ينفصلوا عن بعض تعيش الست بلقب مطلقة كإنها وصمة عار دي حاجة متخصناش بردو، وكون إن أي اتنين بيتجوزوا لازم كعملية طبيعية يجيبوا أطفال ومعندناش ثقافة إن عادي يكون فيه جواز من غير أطفال طالما الطرفين مش مستعدين لوجود أطفال فدي كمان حاجة متخصناش. وده اللي احنا المفروض نحاربه، مش نحارب الجواز نفسه! اعرف انت بتحارب إيه بالظبط، اعرف وحدد كويس، عشان متلاقيش نفسك في النهاية بتحارب طواحين الهوا وانت مش داري.

ملحوظة1: (على فكرة برا لو واحد راشد عمل علاقة مع قاصر بيتسجن.)
ملحوظة 2: (وعلى فكرة بردو برا بيرشدوا العلاقات الجنسية بين المراهقين وبيوعوهم.)