الأربعاء، 24 ديسمبر 2014

عن الإلحاد وتحديد المواقف ومحاربة الطواحين

لا أعلم ما معنی أن تقول أنا مؤمن أو أنا ملحد؟ وما أهمية ذلك؟ 

أنا أبلغ من العمر 16 عامًا، بالطبع لأكتب مقالًا كهذا مررت بتجارب فكرية عديدة، لكن مهما بلغت هذه التجارب من تنوع وثراء لا يمكن أن نقارنها بتجارب شخص يبلغ أربعين عامًا مثلًا، وعمره يزيد عن ضعف عمري. عندما يصادف أن يسألني أحدهم عن ملابسات خلعي للحجاب، أو ما هو رأيي في الحجاب، أو ما هي علاقتي بالدين، لا أجد إجابة، أو في واقع الأمر إجابتي تحمل سؤالًا آخر: ما معنی أن يقول شخص يبلغ من العمر 16 ربيعًا أنا مؤمن أو أنا ملحد؟ ما خبرته في الحياة؟ كيف وصل أصلًا لإيمانه أو إلحاده؟ ولماذا أنا مضطرة إلی أن أقدم شرحًا وافيًا ومفصلًا ودقيقًا عن معتقداتي الشخصية التي لم تكتمل بعد وتوجهاتي وأن أواجه أسئلة من هذه النوعية في هذه السن؟ 

في اعتقادي الشخصي، إن تصورك للإله وعلاقتك به، هو نتاج تجربتك الشخصية، الفكرية والوجدانية والحياتية الخاصة. وهي قائمة علی التجربة والملاحظة، ولها شق عقلي وشق وجداني، ولا يصح أن ننظر لأحدهما دون الآخر. الفكرة أن عقلك ووجدانك قد لا يجتمعان قي الوقت نفسه، فربما يكون عقلك في فترة شبابك نشطًا جدًا، وطاغيًا عليك، ولكن وجدانك خامل، أو ليس نشطًا بدرجة نشاط عقلك نفسها. وفي سنٍّ متقدمة، ربما يبدأ وجدانك في الحراك ويتنشط وتبدأ في الوصول إلی النضج الحقيقي، ويبدأ اكتمال رحلتك في الحياة. وقتها، تستطيع أن تحدد علاقتك بإلهك، وبنفسك، وبالحياة.

ولأن هذا النضج، يتطلب الكثير من العوامل، وكما سبق أن ذكرت، هو لا يعتمد علی النضج العقلي فقط، ولا النضج الوجداني فقط، ولكنه يعتمد علی كليهما وعلی تجاربك الحياتية، ومعرفتك بنفسك، فإن هذا النضج لا يحدث لكل الأفراد في العمر نفسه، بعضهم ينضج في سن صغيرة، وبعضهم في أعمار أكبر. 

الإنسان في عمومه، حياته لا تسير علی الوتيرة نفسها، آراؤه تتغير، وتوجهاته تتغير، وحالاته النفسية والعاطفية تتغير، وفي حياة الفرد الواحد، ربما يتأرجح بين التدين واللادينية والإلحاد والتدين المتطرف واللا اكتراث، وسيظل يتغير ويتغير، حتی يصل لمرحلة النضج السابق ذكرها، ويصل لنظرته الخاصة للأمور وللحياة. إن قلت أنا مؤمن اليوم فهذا لا يعني أني بالضرورة سأظل مؤمنًا غدًا، وإن قلت أنا ملحد، فهذا أيضًا لا يعني أني سأعيش وأموت ملحدًا. 

سأعود للسؤال ذاته: ماذا يهمك إن كنت مؤمنة أم ملحدة؟ إن كان فلان ملحدًا أو مؤمنًا؟ 

إن حاولنا أن نجيب عن هذا السؤال، سنجد أن الإيمان أو عدمه في مجتمعاتنا -وفي العالم كله- له اعتبارات أخری غير الاعتبارات الشخصية للفرد. يعني: دينك أو معتقدك، ليس لنفسك، معتقدك للناس أجمعين. 

عندما يكون هناك مجموعة من البشر مؤمنون بشيء ما، وأنت تكفر بهذا الشيء، أو تؤمن بعكسه، فإن ذلك يشكل خطرًا بالنسبة لهم؛ لأن كفرك بما يؤمنون به يعني أنك تهدد منظومة القيم والمعتقدات التي بنوها لأنفسهم. في مصر مثلًا، أعتقد أن ظهور الملحدين وجهرهم بإلحادهم، يمثل خطرًا علی النظام السياسي بشكلٍ كبير، وطبعًا الخطر الاجتماعي أمرٌ مفروغ منه. ومن أجل هذه الاعتبارات السياسية والاجتماعية، أصبح من المهم أن تحدد موقفك، أنت مؤمن أم ملحد؟ لا يهمنا هنا تجربتك كفرد، لا يهم كل هذا الهراء عن النضج وعن الإنسان وعن الكون، كل ما يهم أن تجيب عن السؤال: مؤمن أم ملحد؟ معنا أم علينا؟ ولو مش معانا يبقی لازم يكون علينا! 

بعبارة أخری، يمكننا القول، إن الإيمان والإلحاد، أصبحا أقرب لتصنيف سياسي واجتماعي وعرقي وطبقي أكثر من كونهما شيئًا يخص الفرد ويخص حالته الروحانية وعلاقته بالكون. 

وفي هذه الحالة، يصبح أحدهما مساويًا للآخر في نظري، الملحد مثل المؤمن، لا المؤمن مؤمن ولا الملحد ملحد، الملحد ربما لا يكون ملحدًا حقًا، لكنه مجرد فرد حاول التمرد علی نظامه الاجتماعي فصار ملحدًا فجأة! ولهذا السبب، صرت لا أميل كثيرًا لتصنيف الأشخاص حسب معتقداتهم، وأری أن كل هذه المسميات محض هراء، وأن هناك الكثير من الأشياء تمثل أهمية أكبر من أهمية أن نجلس للنقاش حول هل أنا مؤمن وملحد. 

أنا أرفض أن أدخل في جدالات مشابهة، أرفض أن يتم حصر شريحة الشباب في هذه الدائرة المفرغة، أرفض هذه السطحية التي يتعامل بها البعض، أرفض أن أضيع عمري في محاربة طواحين الهواء، لدي الكثير من الأشياء كي أعيشها، وأتعلمها، وإن أردت شيئًا حقًا فهذا الشيء هو أن أجد نفسي، وأصل للنضج الذي أبحث عنه، والصدق مع الذات، وأن أجد طريقي الخاص وأجد ما يريح عقلي ووجداني، أجد هذه الأشاء لنفسي ومن أجل نفسي، ليس من أجل أحد، وليس من أجل مجاراة المجتمع والنظام السياسي. 

لن أطالبكم بالكف عن تصنيف الناس حسب معتقداتهم بشكل كامل لأن ذلك يستحيل حدوثه، والواقع يحتمه علينا، لكن حاولوا -قدر ما استطعتم- أن لا تنظروا لظاهر الأمور، أنا تحافظوا علی إنسانيتكم وعلی عقلكم وأرواحكم، أن تبقوا علی ما تبقی من صدق بدواخلكم، وأن تحاولوا تقليل رقعة النقاشات غير ذات القيمة، الصراعات التي لا تفضي إلی شيء، أن تبحثوا عن أنفسكم لأنفسكم وليس للناس.

الجمعة، 17 أكتوبر 2014

عن الفيمينزم، الحب في فترة المراهقة، والعلاقات الجنسية

زي ما ذكرت في العنوان فالموضوع بيتكلم عن الفيمينزم والمناداة بحقوق المرأة والحب والعلاقات، ودعونا نستهل حديثنا بفكرة صغيرة. الفكرة بتقول إن المخدرات بتفرز في الجسم مواد كيميائية معينة بتسبب أحاسيس معينة، في حين إن الجسم أصلا بيفرز المواد دي لوحده لكن المخدرات بتضخها بكمية كبيرة، لو الكمية دي كانت كبيرة أوي الجسم مبيقدرش يتحملها، وممكن يتوقف عن العمل خالص، أو بيحصل إن المخدرات دي تبقى مسيطرة على جسمك بشكل كبير وعلى حياتك وتصرفاتك، وتبقى مش قادر تعيش حياة طبيعية وتمارس مهامك اليومية، عشان طول الوقت محتاج المخدر وطول الوقت جسمك تحت تأثيره.

أنا شايفة إن فيه حاجات كتير في حياتنا بتعمل عمل المخدرات، بتسيطر على حياتنا وتصرفاتنا، منها الحب والجنس. الحب والجنس لو مكانوش في مكانهم الصحيح وفي ظروفهم الصحيحة هيكون تأثيرهم على حياتنا سلبي، وبشوف مثلا، إن في مرحلة المراهقة، وهو البني آدم لسة بيتشكل ومدراكه بتتفتح، بيكون تركيبه النفسي لسة مكتملش، وبتكون بنيته النفسية ضعيفة وسهلة التأثر بأي شيء. لما نيجي للبنية النفسية الضعيفة دي ونحط جنبها حاجة ذات تأثير قوي جدًا زي الجنس، الجنس بياخد مساحة كبيرة جدا من حياة الشخص المراهق ده وبيتحكم فيها، زي المخدرات، ما هو الجنس والحب كدة كدة موجودين في حياتنا، وكدة كدة بنحصل عليهم أو هنحصل عليهم بشكل أو بآخر، زي ما الجسم كدة كدة بيفرز المواد اللي بتضخمها المخدرات، لكن لما نزيد جرعة الجنس في فترة زي دي من حياة البني آدم بيبقى ده تأثيره مدمر زي تأثير المخدرات بالظبط. بينتج عندنا العلاقات العاطفية المشوهة، اللي فيها طرف أو الطرفين مع بعض عندهم حالة من الإدمان العاطفي، وبيبقى حبهم لبعض ده مسيطر عليهم لدرجة الهوس، وحياتهم بتبوظ بسببه. وبينتج عندنا الاستغلال الجنسي والعاطفي، بسبب إن ممكن طرف واحد يكون مدمن على الشخص التاني والتاني بيستغل ده. وبتنتج مشاكل كتير تانية هنتكلم عنها في موضوع تاني.

ولذلك، أنا ضد العلاقات الجنسية بين المراهقين، عشان هما مش بيتعاملوا معاها بنضج، وضد العلاقات العاطفية بين المراهقين بردو بصفة عامة إلا في حدود معينة، حدود متوصلش حد فيهم إنه يكون عنده هوس بالشخص اللي هو بيحبه أو إن يكون الحب ده فيه استغلال أو انتهاك لمشاعره. الحب والجنس وجهان لعملة واحدة، سواء ده أو ده، فالاتنين المفروض يكون أساسهم التكافؤ والحرية، الحرية يعني تكون بتحب الشخص ده بمشاعر ناضجة وبكامل إرادتك ووعيك، وتكونوا انتو الاتنين على نفس القدر من النضج العاطفي والعقلي، وانتو الاتنين مستمتعين ومبسوطين. 

في التعامل مع الأنثى في مجتمعنا أنا عندي مشكلة في الاتجاهين، الاتجاه اللي بيرسخ صورة المرأة في علاقتها مع المجتمع والذكور كمفعول به ومغلوبة على أمرها ويفعل فيها وبها وهي لا تفعل، وبين الاتجاه التاني اللي بيبالغ في جعلها فاعلة ومؤثرة وحرة، للدرجة اللي بتوصلنا لإننا نخلي المرأة مركز الكون وأي شيء مهما كان من حقها، لدرجة إننا بننسى أصلا معنى الحرية ومعنى الحق والمستحق، وبنسقف لأي حاجة تيجي فيها كلمة "حرية" وخلاص. ليه بنهاجم الختان والزواج المبكر والتحرش؟ وعمري ما شفت بنت من الفيمينزم بتجيب سيرة العلاقات العاطفية والانتهاك اللي بيحصل للبنات فيها؟ هو مش إن بنت صغيرة تستغل جنسيًا أو عاطفيًا ده ميفرقش حاجة عن إنهم يجوزوها وهي لسة عيلة؟ ولا هو ميزاننا مختل وبنكيل بمكيالين؟ ولا بتتكسفوا تتكلموا عن العلاقات العاطفية؟ طب ما انتو بتتكلموا عن كل حاجة، جيتوا عند دي واتكسفتوا؟

الفكرة إن تعاملنا كله كمجتمع مع الموضوع غلط من أوله لآخره، فيه شريحة كبيرة من البنات بتنجر للعلاقات الجنسية بسبب إن المجتمع بيخوفها منها! بمعنى، البنت الصغيرة، اللي بتحب لأول مرة، وطول عمرها تسمع إن الجنس ده حاجة عيب وبتتكسف تنطق الكلمة أصلا، وطول عمرها بردو بيخوفوها من المشاعر والحب ومن إن ولد يلمسها، وبتحس إن لو ولد مسك إيدها الدنيا هتتهد والقيامة هتقوم، البنت دي، لما تحب ولد، ويمسك إيدها فعلا، وتكتشف قد إيه ده حلو وقد إيه مشاعرها حلوة ومش مقززة زي ما المجتمع كان بيصورهالها، وإن القيامة مقامتش ولا الدنيا اتهدت! بيبدأ يبقى عندها صراع نفسي بين الشيء الجميل اللي هي حاساه ده، وبين المجتمع اللي بيفضل يقولها عيب وحرام وغلط ومينفعش، ولما تتجوزي اعملي اللي انتي عايزاه، ويخوفوها ويقولولها الولد اللي بتحبيه ده بيلعب بيكي وهيسيبك، وهي قلبها بيقولها حاجة تانية، قلبها بيقولها إنه صادق وإن هي على الأقل مصدقاه وإن المشاعر الحلوة اللي ما بينهم دي لا ليها علاقة بجنس ولا بشهوة ولا بأي حاجة من اللي الناس بتقولها. بنات كتير عدوا بالتجربة دي بالحرف كدة زي ما أنا كاتباها، تجربة الصراع النفسي بين الناس ورأيهم وبين قلبها، مينفعش لو عندك بنت ترهبها بالطريقة دي، مينفعش تخلي بنت خايفة من نفسها ومن مشاعرها بالشكل ده، مينفعش تخليها في حالة رعب طول الوقت إنها ممكن تكون شخص سيئ بسبب اللي هي حاساه أو إنها مُستغلة وبيتلعب بيها، ومينفعش تنتهك مشاعرها بالطريقة دي.

وعيها، قولها ده مش وحش بس وقته مش دلوقتي، اسمعها، احترم عقلها وتفكيرها، خاطبها باللي هي تفهمه، متجبلهاش نصوص جافة ومصمتة بتقولها ده حرام وده غلط وانتي غلط، عشان هترفض كل ده ومش هتستوعبه، وهتتجر للي بعد مسكة إيد وبعد الحضن، عشان هتكتشف بردو إن حتى الشهوة والجنس مش وحشين، وإن فيهم حاجات حلوة، وإنها من جواها عايزاهم.

وعيها إن الحياة لازم تكون متوازنة، الحياة مش حب بس، ولا شغل بس، ولا دراسة بس، ولا عيلة ولا هوايات ولا كتب ولا كلام ولا أي حاجة من دي تنفع تكون "محور حياتنا"، لأ لازم يكون عندنا توازن بين كل الحاجات دي في وقت واحد، وإن ده حقها، ولازم هي اللي تطالب بيه، وإن هي لو تعاملت مع الحب بعشوائية وبدون فهم، هتلاقي إن الحب الجميل ده تحول لوحش، وهوب ابتلع حياتها كلها وخلاها إنسانة تعيسة وبائسة، وإن الحب والجنس والمشاعر حلوين وليهم مكانهم الصح ووقتهم الصح. إنها بلاش تخلي نفسها عبدة لحاجة ولا مدمنة على حاجة. وإنها متتهاونش في حق نفسها وتستمتع بكل دقيقة في حياتها.

أنا برفض جدًا فكرة الشرف التقليدية، وفكرة إن البنت مفعول به، وإنها بيتاخد منها حاجة وبتنقص حتة لما حد يلمسها. عشان البنت مش مجرد أداة انت بتستخدمها لإشباع رغباتك الشخصية، هي كمان عندها رغبات، وزي ما بتدي بتاخد، ومش هتنقص حتة، وهتفضل كاملة، شرف البنت في عقلها مش في عذريتها، وكلامي ده مش ترديد لشعارات فارغة ومكررة، فعلا البنت اللي عندها عقل تقدر تحمي نفسها وتقدر تحفظ كرامتها وحقوقها في أي مكان وزمان. طب لو شلنا عنصر إنها مفعول به، وبقت البنت دي فاعلة في العلاقة، وبقت بتاخد زي ما بتدي، وبطلنا نبصلها كأداة جنسية، هل كدة خلاص أي ولد وأي بنت بينهم علاقة جنسية بالتراضي المفروض نوافق عليها؟ في رأيي، لأ. لازم تبقى في إطار محدد، لإن مثلا، لو جينا نقارن بين الولد والبنت في العلاقة دي، هنلاقي إن الولد مش هيغرم حاجة، بنت معاه بيعمل معاها اللي هو عايزه وبرضاها، إنما هي؟ هي أولا في حالة إنها قاصر وغير راشدة فده بلا شك اسمه "استغلال جنسي"، ليه؟ عشان زي ما ذكرنا فوق هي مش هتكون أنثى ناضجة مكتملة النمو، ونفسيًا هتبقى مش قادرة تتعامل مع الموضوع، وهيكون بيمثل لها عبء نفسي كبير، حتى لو كانت مبسوطة ومستمتعة في بعض الأحيان، لكن في أحيان كتير تانية هتكون خايفة ومترددة ومش عارفة تتصرف، والموضوع بياثر على نفسيتها، أو هيدفعها للتعلق الشديد بالشخص اللي بتحبه عشان هو خلاص بقى مسيطر على تفكيرها وحياتها ومتحكم في كل حاجة. وعلى فكرة فيه حالات كتير موازية لحالة القاصر، يعني مثلا، بنت عايشة في بيت أهلها وبيصرفوا عليها ومسؤولة منهم ومهددة إن لو حد عرف عن علاقتها دي تحصل لها مشكلة كبيرة.. مش ده ضغط عليها؟ مش كدة هي لا تملك من أمرها شيئًا زيها زي القاصر؟ وحالات غير دي بردو زيها زي القاصر. الراشدة هي البنت مكتملة النمو الجسماني والعقلي والنفسي، الحرة المالكة لأمر نفسها، اللي علاقة زي دي لا تشكل أي خطر على حياتها، عندك البنت دي؟ لأ، يبقى خلاص.

غير ده، الولد مش هيغرم حاجة بردو لكن البنت ممكن تقع في مصيبة إن العلاقة تؤدي إلى حمل. وده شيء كارثي.

غير ده، إن البنت تنزل من بيتها، وتمشي في الشارع، وتروح تعمل ده، وتستحمل الضغط النفسي، الضغط اللي هو ناتج من خوفها، والضغط اللي ناتج من إنها غالبا عملت مناورات كبيرة وحورت حوارات في البيت عشان تنزل، وكدبت واستحملت صحابها اللي قاعدين يقولولها ده كذا وكذا، واستحملت صراعها الداخلي، واستحملت إنها لو شكتله خوفها يقول عليها نكدية، واستحملت واستحملت واستحملت... كل ده جنب بعضه، كل المخاطر دي وكل التعب ده وكل العبء ده، معناه إن البنت بتبذل مجهود نفسي أكبر من الولد بكتير عشان تكون في علاقة زي دي، فبشكل أو بآخر هي بيتاخد منها حاجة؛ بيتاخد منها طاقتها وحياتها وروحها، في سبيل حد مداهاش أي حاجة قصاد ده. هل شايف إن ده عادل؟ لأ طبعًا. لازم يكون فيه تكافؤ، ازاي انت كراجل أصلا بتستمتع بعلاقة مع بنت متضررة ومش مستمتعة زيك؟ ده أساس الحب، التكافؤ، أساسه إن انتو الاتنين تكونوا مبسوطين. انبساطك وراحتك هتتضاعف (لو انت شخص ناضج عاطفيا وفاهم كلامي) لو انت خليتها سعيدة. لما تحس إن هي سعيدة، هتحس إنك مؤثر في حياتها، والانبساط ده هيعود عليك.

لو انت وفرتلي للبنت دي حماية وأمان، وضمنتلي إنها ناضجة وواعية باللي بتعمله، وضمنتلي إن كل حاجة زي الفل، هوافق على كلامك. هاتلي بنت حرة، وناضجة، ومبتبذلش مجهود خرافي زي ده عشان تعمل حاجة زي دي، وبتحس بالأمان، ومعندهاش مشكلة إنها تعلن عن علاقتها قدام الناس، وأنا هوافق والله ومش هعترض. عارف البنات دول ممكن تلاقيهم فين؟ في الغرب حضرتك مش عند العرب. أيوة سامعاك ياللي جبت التايهة وقولتلي يلا وماله لما نبقى زي الغرب؟ وماله لما نتحرر؟ مالهوش حضرتك، وماله فعلا لما نتحرر، بس عاوزة أقول إن كل مجتمع له ثقافته، اللي اتشكلت عبر العصور، واللي كلنا اتربينا عليها ومزروعة فيك وفيا وفيها وفيه وفينا كلنا غصب عننا. أصلا حضرتك لو وفرت لبنت حماية وأمان يبقى ده = إنك توفرلها شكل اجتماعي مقبول يخليها مش خايفة ويخليها بتتعامل بحرية، يعني اللي هو في مجتمعنا = الجواز.

والدنيا في الغرب مش هيصة يعني، مش أي واحدة بتروح مع أي واحد، لأ الموضوع أكيد له قواعد، العلاقات برا بتبقى معلنة، بنقول فلان الفلاني مرتبط بفلانة الفلانية! يعني "إشهار". عارف تعريف الجواز عندنا هو إيه؟ هو الـ"إشهار" بردو. هما اللي بيعملوه زيه زي الجواز، علاقة معلنة بتكلف للطرفين حقوقهم، بس بقوانين مجتمعهم هما وثقافتهم هما، علاقة معترف بيها اجتماعيًا وسط مجتمعهم، وساعات بيخلفوا ويربوا عيالهم زي براد بيت والست أنجلينا جولي. حاول تبص للأمور بعقلك ومتقلدش تقليد أعمى. الهدف من الجواز هو إن اتنين رايدين بعض يكونوا مع بعض ويعيشوا قدام الناس بشكل مقبول اجتماعيًا من غير خوف ولا قلق، والاتنين واخدين حقوقهم الاجتماعية تالت ومتلت، الهدف هو علاقة ناضجة بين اتنين ناضجين متساويين في الحقوق والواجبات، ومبسوطين مع بعض ومش خايفين، كون بقى إن الجواز بقى بيعة وشروة وفرح وفلوس وسفرة وصالون دي حاجة متخصناش، كون إن الجوازة بقت زي الختم على قفانا كدة، واللي ينفصلوا عن بعض تعيش الست بلقب مطلقة كإنها وصمة عار دي حاجة متخصناش بردو، وكون إن أي اتنين بيتجوزوا لازم كعملية طبيعية يجيبوا أطفال ومعندناش ثقافة إن عادي يكون فيه جواز من غير أطفال طالما الطرفين مش مستعدين لوجود أطفال فدي كمان حاجة متخصناش. وده اللي احنا المفروض نحاربه، مش نحارب الجواز نفسه! اعرف انت بتحارب إيه بالظبط، اعرف وحدد كويس، عشان متلاقيش نفسك في النهاية بتحارب طواحين الهوا وانت مش داري.

ملحوظة1: (على فكرة برا لو واحد راشد عمل علاقة مع قاصر بيتسجن.)
ملحوظة 2: (وعلى فكرة بردو برا بيرشدوا العلاقات الجنسية بين المراهقين وبيوعوهم.)

الخميس، 25 سبتمبر 2014

عن الحب والجنس والفن

مرة عملت استطلاع رأي عن ارتباط الحب بالجنس، وكتير من صحابي كانوا مستغربين أنا عاوزة أوصل لإيه يعني من ورا السؤال ده، الحقيقة إني وصلت لحاجات كتير من ضمنها تقسيمة معينة لدماغ الناس (اللي في محيطي بس طبعًا عشان مقدرش أعمل دراسة على نطاق واسع) وتفاعلهم مع فكرة الحب، فيه فئة من الناس، المراهقين، والبنات المراهقات خاصةً وصغيرات السن، بيميلوا لرفض أي فكرة عن الارتباط بين الحب وبين الجنس، بيرفضوا مناقشة الفكرة من الأساس، وبيحاولوا يتكلموا عن إن قد إيه الحب شيء راقي ونقي وأسطوري وأفلاطوني و و و .. وهما نفس البنات دول لما يحسوا بمشاعر شهوانية ناحية اللي بيحبوه بيتخضوا ويخافوا ويحسوا بالذنب. وبيخافوا من الولاد اللي بيحبوهم. ولو واجهت بنت مراهقة بحقيقة إن ده مرتبط بده غالبًا يا هتخاف وتعيط يا هتشتمك :D

فيه فئة تانية، هما الناس المتدينين حبتين، أو اللي على الأقل اتربوا في طفولتهم على مفاهيم دينية حتى لو كانوا نبذوها بعد ما كبروا، دول بقى أول ما تقولهم "هل شايفين إن فيه ترابط بين الحب والجنس؟" يقولولك بفم مليان طبعًاااا.. ليه؟ عشان أصلا الدين بيحط محاذير طول الوقت حوالين العلاقات العاطفية وإنها فيها شهوة وممكن تؤدي لأفعال غلط فأصلا الشخص اللي بيتربى في بيئة زي دي من يوم ما بيتولد بيبقى ثابت في مخه إن الحب مرتبط بالجنس وده مفيهوش جدال بالنسباله.

ووسط الناس المتجوزين مثلا هتلاقي بردو فكرة ارتباط الحاجتين ببعض مُتقبلة بنسبة أعلى، وممكن الستات يبقوا قابلينها ومتصالحين معاها أكتر من الرجالة كمان (ده طبعًا في حالة إن الزوجين بيحبوا بعض مش مديين بعض بالجزم).

وبغض النظر عن كل الناس دي فرأيي الشخصي يعني إن آه فيه ارتباط شرطي بين الحب والجنس، وإن مفيش حب من غير جنس، بس عندي تصور مختلف للموضوع عن التصور السائد بين الناس، يعني الناس أول ما تشوف كلمة جنس بيجي في دماغها علاقة مادية بين واحد وواحدة، لكن مفهوم الجنس أوسع من كدة شوية، الجنس زي ما أنا بشوفه هو البذرة الصغيرة اللي جوا كل ولد وبنت، الحاجة اللي بتحدد نوعهم وميولهم وشخصياتهم، الجنس صورة من صوره مثلًا تتمثل في ولد وبنت في إعدادي أو ثانوي بيبصوا لبعض من بعيد من غير ما يقولوا أي حاجة، مجرد بس رغبة البنت في إنها تحس إنها محبوبة من قِبَل ولد أو رغبة الولد في إنه ياخد قلم في نفسه كدة ويحس إن فيه بنت معجبة بيه. دي الفكرة العامة للجنس. وفيه منها تشعبات وتفرعات بقى، ومن الضمن التفرعات دي هو العلاقة الجسدية اللي بتم بين الذكر والأنثى، لكن العلاقة دي مش هي الأساس، الأساس فكرة أعمّ وأشمل من كدة. ومن غير ما نفهم الفكرة العامة دي مش هنعرف نطور من تفكيرنا ولا ننضج نضج عاطفي كامل ولا نتعامل مع بعض في علاقات عاطفية سوية.

ده معناه إن الجنس بيحتل مساحة كبيرة من حياة البشر ومن ضمن الحاجات الأساسية اللي بتشكلهم، مش كدة؟ والفن المفروض إنه بيعكس الصورة الداخلية للبني آدم.. وده ياخدنا لحاجة تانية كنت بفكر فيها، هي المحاولات المستميتة لعزل الفن عن الجنس، اللي هو المفروض من المكونات الأساسية لحياة البشر.


من فترة كتبت بوست ملخصه إن "يفترض إن المبدع، هو الشخص اللي بيقدر يجسد أفكاره وأشد الناس إبداعًا هما الأشخاص اللي بيقدروا يتحكموا في كل حواسك ويوصلوك لإحساس معين، فليه لما يكون فيه لوحة لبنت عارية مثلًا ويجي شخص يتكلم ويقول الصور دي ملهاش علاقة بالإبداع وهي وظيفتها جنسية بالدرجة الأولى، يقوموا الناس رادين عليه يقولوله لأ انت اللي متخلف ورجعي وغير متذوق للفن والإبداع، يعني المبدع ده لو متمكن من إبداعه، كان هيقدر يوصل للمشاهد فكرته، ومكنش عقل المشاهد هيجيب الفكرة الغلط اللي المبدع مكنش قصده يوصلها، ليه لما الفكرة متوصلش نجيب الغلط على المشاهد؟"


الحقيقة إن كلامي ده كل واحد هيفهمه بطريقته، أنصار الحرية والفنون هيقولوا إيه البنت المتخلفة دي وطبعًا العيب على المشاهد والفنان مش مطالب إنه يشرح كل تفصيلة في فنه، والفن فن مش هنبرره ولا نشرحه (وأنا متفقة مع الرأي ده في حاجات ومختلفة معاه في حاجات تانية)، وفيه ناس تانية هتقول آه صح عندها حق واحنا فعلا لازم نقطع كل الصور الخادشة للحياة والفنانين دول منحلين اصلا وكفرة.. وطبعًا انا مجبتش سيرة كدة خالص، بس فيه ناس هتفهم كلامي بالطريقة دي. والحقيقة إني مقصدش بكلامي حاجة أصلا انا بس كنت بطرح الفكرة، سايبة تفسير الكلام وفهمه لدماغ القارئ يشوفه زي ما يحب.

والمهم إني اتناقشت مع أختي ومع صديقة ليا في الكلام المكتوب في البوست ده، أختي أول ما قرأته قالتلي إيه اللي انتي كاتباه ده، يعني انتي تقصدي إن العيب على الفنان؟ ودار حوار ما بينا كدة اللي طلعنا بيه منه: إني شايفة إن العيب على الفنان آه لما ميعرفش يوصل فكرته وميعرفش يخاطب عقل الناس اللي هو بيقدملهم فنه، يعني مش معقول هنعمل معرض لناس في صعيد مصر نحطلهم فيه لوحات عارية وهننتظر منهم إنهم يشوفوا في اللوحة جمال من نوع خاص، أو يفهموا فكرة فلسفية معينة من ورا اللوحة وميبصوش على جسم البنت! ده غير قابل للحدوث على أرض الواقع. الحاجة التانية إن العيب على الفنان لما يحاول يقنع نفسه بالعافية ويقنع الناس إن الفن اللي بيقدمه خالي من الجنس في حين إنه ممكن يكون كله بيدور حوالين الجنس، سواء فيلم أو لوحة، كإن عيب مثلًا إنه يقدم فن بيتكلم عن الجنس وكإنها وصمة عار، يعني لو انت بتقدم صور جنسية قول انها جنسية واعترف بده وده مش هيقلل من فنك حاجة.. لكن متبقاش عايز تقنع الناس بالعافية انها مش جنسية واللي يقولك دي جنسية تقوله لأ انت اللي متخلف ورجعي.. معترض؟ طب فين الغلط في كلامي؟ مش احنا قلنا فوق إن الجنس بيحتل مساحة كبيرة من حياة بني آدم؟ وإن الفن بيعكس الصورة الداخلية لبني آدم دول؟ فطبيعي الجنس يظهر في فنونهم؟ ليه مبنواجهش نفسنا بده؟ ليه بنزيف الحقايق وبنكمل في محاولاتنا المستميتة لجعل الأشاء ماسخة وملهاش معنى وبنسمي الأشياء بغير مسمياتها؟
طب ما كل الناس بتحب مثلًا بتحب فيلم "Amélie" ، والبنات كلهم بيعشقوا آخر مشهد لما تبقى حاضنة حبيبها وبيعتبروه قمة الرومانسية، طب ما الحضن ده جنسي، المشهد كله جنسي، ليه بتقنعوا نفسكم إنه عادي؟ طب المشهد ده لو كان اتعمل في فيلم عربي كنتوا هتحبوه وتطيروا بيه السما كدة ولا كنتوا هتشتموا الممثلين اللي مثلوه؟

طب سيبكم من ايميلي، فيه رسامة اسبانية تعتبر مثلي الأعلى وبقف مبهورة قدام لوحاتها اسمها نيكوليتا توماس، نيكوليتا لوحاتها عبارة عن ألبومات، مجموعة صور مع بعضها يعني، وليها ألبوم اسمه "AMANTES" بالاسبانية يعني "العشاق"، يعني عن الحب والجنس، الصور أصلا بتصور مشاهد جنسية بين نساء ورجال، ومع ذلك قيمتها الفنية عالية جدًا ومحدش يقدر يقول الست دي راسمة حاجة مبتذلة أو ملهاش معنى، المعاني اللي فيها والفنيات والجمال من أحلى الحاجات اللي شفتها في حياتي ونكوليتا أصلا رسامة عظيمة. حد يقدر ينكر براعة نيكوليتا وفنها وموهبتها؟ معتقدش.
بس هل يا ترى كل الناس هتشوف الجمال اللي في لوحاتها؟ أكيد مش كل الناس. فيه ناس هتشوف الجمال، وفيه ناس هتشوف قبح، فيه ناس اللوحات دي هترتقي بيها وبإحساسها ومداركها، وناس تانية اللوحات دي مش هترتقي بإحساسهم خالص. فيه ناس أصلا مجرد ما يشوفوا دراع عريان بيجيلهم حالة هلع ولو كان دراع معزة! ده يوصلنا لسؤال آخر، هل الفن لكل الناس؟ ولا لفئة معينة من الناس؟ أرباب الحرية والفنون بردو هيقولولي طبعًا لكل الناس، بس خلينا نقف ونفكر في الموضوع شوية..

احنا اتفقنا إن من شبه المستحيل إننا نعمل معرض نحط فيه لوحات عارية في الصعيد، مش كدة؟

خلينا نفصص الكلام شوية، ونفكر بصوت عالي، فيه ناس كتير عقلهم مبيوصلش لاستشعار الفنون المعقدة  أو اللي بتتناول مواضيع فلسفية، أو قضايا زي الجنس والدين، وده ممكن يحصل لأسباب مختلفة، ممكن مثلًا يكون سنهم صغير، فبيرفضوا ده بفطرتهم عشان مش فاهمينه، وممكن في سن صغير زي ده لو فهموه أصلا يضرهم مش ينفعهم عشان مش هيعرفوا يوظفوه ويتعاملوا معاه في حياتهم بطريقة صحيحة وهيسبب انحرافات في تفكيرهم. وممكن يكونوا كبار، لكن اتولدوا في بيئة بتحرم كل حاجة لدرجة إنهم كبروا آه لكن تطورهم الفكري والعاطفي وقف عند نقطة معينة ومتعداهاش عشان كل حاجة حواليهم بتمنعهم من التطور، تلاقي بنت شحطة مخلصة جامعة وبتتكسف تسأل في حاجة تخص الجنس مثلًا، تحس إنها طفلة مش بنت كبيرة.  بتختلف الأسباب، لكن في النهاية هنوصل لنتيجة إن الناس دي الفن لو مأثرش عليهم تأثير سلبي يبقى في أفضل الأحوال مش هياثر فيهم خالص. لكن استحالة يبقى تأثيره إيجابي عشان هما مش مستوعبينه أصلا. فنعيد طرح السؤال.. هل الفن لكل الناس، أم لفئة معينة من الناس؟

طب حد مثلًا هيجيب الديب من ديله ويقولي ما هو ده بسبب اضمحلال الثقافة عند شعوبنا، وإننا لازم نرتقي ولازم نخلي الفن موجود في حياة الناس ولازم يبقى موجود في المدارس والجامعات.. كل ده كلام لطيف أوي، يعني يا سلام لو أجيب طفل صغير، ومن هو في اللفة أسمعه أغاني وأوريه أفلام وأقريه شعر وروايات، وتبقى مناسبة لسنه، مفيهاش حاجات تمس طفولته أو حاجات أكبر من سنه بكتير، ويا سلام أوي لو الطفل ده يكبر ويبقى شخص ناضج فأخليه بالتدريج يقرا الحاجات اللي اتكتب عن الحب والجنس والدين والسياسة والفلسفة وكل حاجة في الدنيا، ويشوف لوحات ويفهمها ويحس بقيمتها، الله يعني، ده حاجة خيالية وجميلة.. والله أتمنى يبقى عندي ولد أو بنت بالشكل ده.. وأتمنى إن ننمي الحس الفني عند كل الناس، وأتمنى إننا نراعي أطفالنا ونقدملهم حاجات مناسبة لسنهم ومش صادمة ولا خادشة لبرائتهم، بس امتى؟ بعد 200 سنة؟ بعد ما اكون مُت إن شاء الله ومصر تطورت وتقدمت وكدة؟ غير إني عندي اعتقاد شخصي إن العالم مبيتغيرش، يعني هيفضل فيه شر وهيفضل فيه خير، هيفضل فيه ظالم ومظلوم، هيفضل فيه يمين ويسار، وناس بتتكلم باسم الدين وناس بتتكلم باسم التحرر من أي دين، منذ بدء الخليقة لحد ما ننتهي ونموت، مش مقتنعة إننا هنوصل في يوم من الأيام لإننا كلنا يبقى عندنا ثقافة فنية عالية، عشان ده ضد طبيعة الحياة، لازم يفضل فيه تضاد واختلاف بين الناس وعمرهم ما هيجتمعوا كلهم على شيء واحد.


فأنا الحل الأقل في الخساير من وجهة نظري، إن أي حد بيقدم أي نوع من الفن يقدمه، بس ميتعالاش على الناس، يعني مش معنى إن فيه ناس مش فاهمين فنك إنهم جهلة ومبيفهموش، هما مختلفين عنك، وعندهم أسباب منطقية لاختلافهم ده، وانت لازم تحترم ده، وتحاول تلاقي نقاط مشتركة بينك وبينهم، وتحاول تقدم الفن للي هيفهمه، يعني أنا بفكر إني لما أخلص مجموعة الرسومات اللي برسمها هعرضها في معرض لكن مش هحطها على الفسيبوك عشان مش كل اللي عندي على الفيسبوك هيتقبلوها، فيه ناس هيشوفوا فكرتي دي مبالغ فيها، بس ده اللي دماغي قادرة توصله دلوقتي. وفي نفس الوقت نحاول نقرب الفن للناس ونتكلم بلسانهم ودماغهم، ونحاول نعمل مشاريع تنموية في المدارس والجعمات مثلًا، ده مش هيعمل تغيير هائل عشان زي ما اتفقنا لازم يفضل فيه اختلاف بين الناس ومش كلهم هيتفقوا على حاجة، لكن هو ممكن يحسن الوضع ولو شوية صغيرين.


التغيير صعب، وأنا شايفة إن الإجابة على السؤال إن لأ الفن مش لكل الناس، ومش لازم يكون لكل الناس.

الثلاثاء، 23 سبتمبر 2014

يمشون على اﻷرض هونا

كنت أنا وداليا بنتكلم عن حاجات كتير من ضمنها التربية والدين وتأثير تصرفات الأهل علی ولادهم، وأنا كنت بقول إني مبقتنعش مثلًا بالشخص اللي يقولي "أنا هربي ولادي علی الإسلام وأعمل كذا وكذا" .. داليا سألتني ليه؟ يعني لو أنا مؤمنة بالإسلام كدين ليه مربيش ولادي عليه؟ وقلتلها هجاوبك بعدين.. الإجابة من وجهة نظري، هي في الحقيقة بتبدأ بسؤال، يعني إيه "أربي ولادي علی الإسلام؟" يعني أنا منهج تربيتي كله هو الإسلام؟ هو إني أقولهم يصلوا ويصوموا ويطبقوا الدين بحذافيره في حياتهم وياكلوا ويشربوا ويناموا وخلصنا علی كدة؟

لو هي دي التربية علی الإسلام تبقی دي تربية فاشلة، وبتولّد أشخاص منغلقين علی نفسهم وأفكارهم وعقيدتهم، أو العكس.. بيكبروا وينبذوا الدين تمامًا، عشان احنا أقحمنا الدين في حياتهم بشكل خاطئ.

إيه الشكل الصحيح من وجهة نظري؟

أولًا أنا شايفة إن التربية هي عملية أوسع وأعقد من كدة، تربية يعني انت بتجيب فرد جديد للحياة، ومطالب بتقديم الرعاية الكاملة له، لحد ما يكبر ويكون قادر علی الاستقلال بذاته. بتهتم في كل حاجة في حياته، من أول لبسه وأكله ونومه وصحيانه، لحد اندماجه مع المجتمع وتفاعله مع بيئته، وتعليمه، وتلبية احتياجاته النفسية في كل مرحلة من عمره. وأخيرًا، الاهتمام بفكره وعقله.

مينفعش تيجي مثلًا عند الأكل وتقوله الرسول كان بيحب البلح لازم تاكل بلح! ويقولك مبحبوش يا بابا، تقوله ازاااي انت هتكفر؟ (المثال ده مش مبالغ فيه أنا أعرف ناس كدة فعلًا) ولو جينا لأمثلة بتتكرر طول الوقت، فمثلًا مينفعش بنت في تانية أو تالتة إبتدائي تبقی عاوزة تلبس خمار، هي وصلت للتفكير ده ازاي؟ وصلتله من إن أغلب اللي حواليها طول الوقت بيتكلموا عن الحجاب والعفة و و و .. عن كلام هي بعقلها الطفولي متستوعبهوش، بس عاوزة تقلد اللي حواليها وخلاص اللي هما غالبًا أكبر منها بكتير، هنا احنا مراعيناش الاحتياجات النفسية للبنت دي، عشان أي بنت في سنها المفروض تجري وتلعب ويومًا ما هتكبر وتفهم يعني إيه حجاب. 
ولا كمان راعينا اندماجها مع المجتمع عشان أكيد مش كل اللي معاها في المدرسة لابسين خمار وممكن ده يخليهم يستغربوها.. "بس الخمار مش حرام يا بابا!" هو مش حرام لكن في الوضع ده هو "خطأ"، لو احنا عمينا عنينا عن كونه خطأ وكونه بيضرها أكتر ما بينفعها وبصينا بس لكونه حلالٌ حلالٌ حلال.. هنا يبدأ التطرف والتعصب الديني، اللي بيقدم مصلحة الدين كفكرة عن مصلحة البشر وبيضرهم أكتر ما بينفعهم، كإن البشر اتخلقوا لخدمة الدين مش الدين هو اللي اتعمل عشان يساعد البشر. والدين لو وجد فوجد للنفع أكيد مش للضرر. وبيتحول الدين لصنم بندور حواليه.

وخد من ده كتير.. تربية الأطفال الصغيرين علی "لما تكبر عاوزك صلاح الدين وتحرر القدس يا حبيبي" صلاح مين وقدس إيه؟ طفل صغير ماله ومال صلاح الدين؟ أو كلام لولاد صغيرين قبل وقته عن النساء والشهوات وغض البصر.. طب استنی لما يكبروا وقول الكلام ده، ليه لازم تعقدهم من دلوقتي؟ 
أو تدخل الأهل في اهتمامات ولادهم، واحد مهتم بأي نوع من الفنون مثلًا، تقوله مش تركز لك في العلوم الشرعية أفضل؟ وانت مالك؟ هي دماغه ولا دماغك؟

ده اسمه "اقحام غير مبرر للدين في حياة البني آدمين وملهوش علاقة لا بالدين ولا بالتربية.

وعمرك كدة ما هتطلع أبناء صالحين متدينين انت هتطلع أبناء عندهم عقد نفسية بالكيلو، ولو هي دي فكرتك عن "عاوز أربي ولادي علی الإسلام" تبقی لازم تغيرها رحمة بولادك وبالبشرية من بعدهم.
"أنتم أعلم بشؤون دنياكم".. يعني كل زمن وكل مكان له ظروفه وحالاته، اللي المفروض تربي ولادك تربية سليمة تخليهم قادرين علی التعامل مع بيئتهم والتفاعل معاها بشكل سوي، والدين مش منهج تربوي، الدين وظيفته إنه "دين"، عقيدة إيمانية، ومش بيقدملك وصفة حصرية لتربية ولادك، ومش مهمته إنه يقدملك الوصفة دي إطلاقًا. ممكن ترجعله في بعض الأمور، ممكن تقتدي بالرسول في كثير من أمور الحياة، ممكن تبقی ثقافتك وفكرك مبنيين علی الدين بشكل رئيسي، لكن لازم كمان تبقی ملم بأشياء أخری كثيرة في الحياة. والتربية في العموم حاجة ليها علاقة بالمكان والظروف، تربيتك لولادك في أمريكا غير في مصر غير في إسبانيا.

طب امتی أقتنع بتوظيف الدين في حياة البشر؟ أو امتی أتفهم رغبتك في إنشاء أسرة متمسكة بالدين وعقيدتها قوية؟
لما تخاطب عقولهم وقلوبهم من غير محاولات إقحام فاشلة. اللي هو الحاجة الأخيرة اللي ذكرتها في بداية الكلام، ضمن قائمة الحاجات اللي المفروض تراعيها في حياة ولادك، "حياتهم الفكرية" لو عاوز تنشئ رابط بينهم وبين الدين قدملهم الدين كمحتوی فكري وساعدهم إنهم يعرفوه ويتثقفوا فيه. وناقشهم فيه. خليه متاح قدامهم بس متجبرهمش عليه حتی لو بشكل غير مباشر. كلمهم عن الصلاة والصوم بس مش هتجري ورا كل واحد عشان يصلي. حطهم علی بداية الطريق وسيبهم يكملوا. وطبعًا راعي سنهم وعقلهم، في كل سن هتحاول تفهمهم الدين وتبسطلهم فهمه بالطريقة اللي تناسبهم.
خلي الدين في حياتهم متعة وثقافة مش إجبار وقيود.

وافتكر إن كل بني آدم له مدخل مختلف لفهم نفسه وعلاقته بالكون وبالإله.. فيه ناس مدخلها إنها تغرق وسط الكتب والأحاديث والتفاسير والآراء والضوابط الدينية وما إلی آخره، وناس تانية الكلام ده كله بيخنقهم ومدخلهم إنهم يمشوا في الأرض بس ويبصوا حواليهم فبيوصلهم كل الحكم والمعاني اللي لو كانوا قضوا عمرهم كله وسط الكتب مكانوش وصلولها. كل واحد بيلاقي طريقه، ومش من حق حد يفرض عليه طريق معين. 

والحياة عمومًا حياة، مش كلها دين بس ولا كلها حب وجواز وتناسل بس، ولا كلها تفكير وعلوم، ولا كلها مآسي وحروب. الحياة أوسع مما تتصور، وكمان أضيق مما تتصور.. وكل واحد بيلاقي فلسفته الخاصة اللي تعيشه مبسوط.