كنت أنا وداليا بنتكلم عن حاجات كتير من ضمنها التربية والدين وتأثير تصرفات الأهل علی ولادهم، وأنا كنت بقول إني مبقتنعش مثلًا بالشخص اللي يقولي "أنا هربي ولادي علی الإسلام وأعمل كذا وكذا" .. داليا سألتني ليه؟ يعني لو أنا مؤمنة بالإسلام كدين ليه مربيش ولادي عليه؟ وقلتلها هجاوبك بعدين.. الإجابة من وجهة نظري، هي في الحقيقة بتبدأ بسؤال، يعني إيه "أربي ولادي علی الإسلام؟" يعني أنا منهج تربيتي كله هو الإسلام؟ هو إني أقولهم يصلوا ويصوموا ويطبقوا الدين بحذافيره في حياتهم وياكلوا ويشربوا ويناموا وخلصنا علی كدة؟
لو هي دي التربية علی الإسلام تبقی دي تربية فاشلة، وبتولّد أشخاص منغلقين علی نفسهم وأفكارهم وعقيدتهم، أو العكس.. بيكبروا وينبذوا الدين تمامًا، عشان احنا أقحمنا الدين في حياتهم بشكل خاطئ.
إيه الشكل الصحيح من وجهة نظري؟
أولًا أنا شايفة إن التربية هي عملية أوسع وأعقد من كدة، تربية يعني انت بتجيب فرد جديد للحياة، ومطالب بتقديم الرعاية الكاملة له، لحد ما يكبر ويكون قادر علی الاستقلال بذاته. بتهتم في كل حاجة في حياته، من أول لبسه وأكله ونومه وصحيانه، لحد اندماجه مع المجتمع وتفاعله مع بيئته، وتعليمه، وتلبية احتياجاته النفسية في كل مرحلة من عمره. وأخيرًا، الاهتمام بفكره وعقله.
مينفعش تيجي مثلًا عند الأكل وتقوله الرسول كان بيحب البلح لازم تاكل بلح! ويقولك مبحبوش يا بابا، تقوله ازاااي انت هتكفر؟ (المثال ده مش مبالغ فيه أنا أعرف ناس كدة فعلًا) ولو جينا لأمثلة بتتكرر طول الوقت، فمثلًا مينفعش بنت في تانية أو تالتة إبتدائي تبقی عاوزة تلبس خمار، هي وصلت للتفكير ده ازاي؟ وصلتله من إن أغلب اللي حواليها طول الوقت بيتكلموا عن الحجاب والعفة و و و .. عن كلام هي بعقلها الطفولي متستوعبهوش، بس عاوزة تقلد اللي حواليها وخلاص اللي هما غالبًا أكبر منها بكتير، هنا احنا مراعيناش الاحتياجات النفسية للبنت دي، عشان أي بنت في سنها المفروض تجري وتلعب ويومًا ما هتكبر وتفهم يعني إيه حجاب.
ولا كمان راعينا اندماجها مع المجتمع عشان أكيد مش كل اللي معاها في المدرسة لابسين خمار وممكن ده يخليهم يستغربوها.. "بس الخمار مش حرام يا بابا!" هو مش حرام لكن في الوضع ده هو "خطأ"، لو احنا عمينا عنينا عن كونه خطأ وكونه بيضرها أكتر ما بينفعها وبصينا بس لكونه حلالٌ حلالٌ حلال.. هنا يبدأ التطرف والتعصب الديني، اللي بيقدم مصلحة الدين كفكرة عن مصلحة البشر وبيضرهم أكتر ما بينفعهم، كإن البشر اتخلقوا لخدمة الدين مش الدين هو اللي اتعمل عشان يساعد البشر. والدين لو وجد فوجد للنفع أكيد مش للضرر. وبيتحول الدين لصنم بندور حواليه.
وخد من ده كتير.. تربية الأطفال الصغيرين علی "لما تكبر عاوزك صلاح الدين وتحرر القدس يا حبيبي" صلاح مين وقدس إيه؟ طفل صغير ماله ومال صلاح الدين؟ أو كلام لولاد صغيرين قبل وقته عن النساء والشهوات وغض البصر.. طب استنی لما يكبروا وقول الكلام ده، ليه لازم تعقدهم من دلوقتي؟
أو تدخل الأهل في اهتمامات ولادهم، واحد مهتم بأي نوع من الفنون مثلًا، تقوله مش تركز لك في العلوم الشرعية أفضل؟ وانت مالك؟ هي دماغه ولا دماغك؟
ده اسمه "اقحام غير مبرر للدين في حياة البني آدمين وملهوش علاقة لا بالدين ولا بالتربية.
وعمرك كدة ما هتطلع أبناء صالحين متدينين انت هتطلع أبناء عندهم عقد نفسية بالكيلو، ولو هي دي فكرتك عن "عاوز أربي ولادي علی الإسلام" تبقی لازم تغيرها رحمة بولادك وبالبشرية من بعدهم.
"أنتم أعلم بشؤون دنياكم".. يعني كل زمن وكل مكان له ظروفه وحالاته، اللي المفروض تربي ولادك تربية سليمة تخليهم قادرين علی التعامل مع بيئتهم والتفاعل معاها بشكل سوي، والدين مش منهج تربوي، الدين وظيفته إنه "دين"، عقيدة إيمانية، ومش بيقدملك وصفة حصرية لتربية ولادك، ومش مهمته إنه يقدملك الوصفة دي إطلاقًا. ممكن ترجعله في بعض الأمور، ممكن تقتدي بالرسول في كثير من أمور الحياة، ممكن تبقی ثقافتك وفكرك مبنيين علی الدين بشكل رئيسي، لكن لازم كمان تبقی ملم بأشياء أخری كثيرة في الحياة. والتربية في العموم حاجة ليها علاقة بالمكان والظروف، تربيتك لولادك في أمريكا غير في مصر غير في إسبانيا.
طب امتی أقتنع بتوظيف الدين في حياة البشر؟ أو امتی أتفهم رغبتك في إنشاء أسرة متمسكة بالدين وعقيدتها قوية؟
لما تخاطب عقولهم وقلوبهم من غير محاولات إقحام فاشلة. اللي هو الحاجة الأخيرة اللي ذكرتها في بداية الكلام، ضمن قائمة الحاجات اللي المفروض تراعيها في حياة ولادك، "حياتهم الفكرية" لو عاوز تنشئ رابط بينهم وبين الدين قدملهم الدين كمحتوی فكري وساعدهم إنهم يعرفوه ويتثقفوا فيه. وناقشهم فيه. خليه متاح قدامهم بس متجبرهمش عليه حتی لو بشكل غير مباشر. كلمهم عن الصلاة والصوم بس مش هتجري ورا كل واحد عشان يصلي. حطهم علی بداية الطريق وسيبهم يكملوا. وطبعًا راعي سنهم وعقلهم، في كل سن هتحاول تفهمهم الدين وتبسطلهم فهمه بالطريقة اللي تناسبهم.
خلي الدين في حياتهم متعة وثقافة مش إجبار وقيود.
وافتكر إن كل بني آدم له مدخل مختلف لفهم نفسه وعلاقته بالكون وبالإله.. فيه ناس مدخلها إنها تغرق وسط الكتب والأحاديث والتفاسير والآراء والضوابط الدينية وما إلی آخره، وناس تانية الكلام ده كله بيخنقهم ومدخلهم إنهم يمشوا في الأرض بس ويبصوا حواليهم فبيوصلهم كل الحكم والمعاني اللي لو كانوا قضوا عمرهم كله وسط الكتب مكانوش وصلولها. كل واحد بيلاقي طريقه، ومش من حق حد يفرض عليه طريق معين.
والحياة عمومًا حياة، مش كلها دين بس ولا كلها حب وجواز وتناسل بس، ولا كلها تفكير وعلوم، ولا كلها مآسي وحروب. الحياة أوسع مما تتصور، وكمان أضيق مما تتصور.. وكل واحد بيلاقي فلسفته الخاصة اللي تعيشه مبسوط.
الدين يعلم تعليما ..
ردحذف(العلم في الصغر كالنقش على الحجر (
والصبي غير مكلف لكن كل مسلم موصى بنصوص الشرع بان يعلم ابنائه تعاليم الدين والعقيدة وهذا منهج وسنة جرت عليها الاعراف والعبادات ...
عجبني المقطع قبل الاخير اوي 😍
ردحذف