الخميس، 11 أغسطس، 2016

ما فعلته بي سانت كاترين- الجزء الثاني (الحجاب)



مقدمة: هذا المقال، هو تكملة، لسلسلة مقالات بدأتها، أسجل فيها رحلتي الشخصية، في سبيل الإجابة عن أسئلة تمس وجودي وحقيقتي الداخلية.

كتبت عن الفن والجنس والأمومة والدين والحب والألم. وها أنا أكتب مقالًا جديدًا، أكثر صدقًا، وأكثر انفتاحًا على ذاتي، وهذا المقال سيتناول قضية العفة وحقيقتها، وبه حديث عن الأنوثة والذكورة وما بينهما، وبه سرد لبعض الأمور التي قادتني للحجاب. وهو لا يحمل إجابات، بقدر ما يحمل أسئلة، ويفتح آفاقًا جديدة، لأسئلة أعمق، وإجابات منتظرة. فلنبدأ إذن..

1- ((الحب ليس أن تنظر إلي وأنظر إليك، بل أن أنظر أنا وأنت سويًا إلى أفق هذا الكون الشاسع)):

كنت ألتقي بذاك الشاب، عن طريق الصدفة، ولم تجمعني معرفة سابقة به قط. لكن سرعان ما وجدنا تلاقٍ بيننا في الحديث والفكر، ونقاط كثيرة أحببنا أن يطول النقاش حولها. حديثنا فعلًا أعجبني وألهمني، لكني كنت أجد غضاضة في صدري، لأنه ولد وأنا بنت. كنت أتساءل بيني وبين نفسي: هل لهذا الحديث الثري بيننا أن يستمر كحديث بين إنسان وإنسان دون التطرق للثنائية الجنسية لهذين الإنسانين؟ هل يمكنني أن أستمتع بحديثي وإثراء فكري معه دون أن أتطلع بأي شكل من الأشكال إلى إثارة إعجابه بأنوثتي؟ أو حتى لفت نظره إليها..

بالتأكيد، لا مشكلة في كوني أنثى، ولا مشكلة في كونه ذكر، ولا مشكلة أبدًا في انجذابنا لبعضنا، لكن المشكلة بالنسبة إليّ تكمن في أن ننجذب لبعضنا –فقط- لمجرد الغريزة. أي ألا يرى حقيقتي؛ لا يرى عقلي ولا مشاعري ولا جوهر روحي ويرى فقط مظهرًا خارجيًا يضع عنوانًا لي أنني "أنثى". وينجرف في حديث معي لهذا السبب فحسب. لمجرد "قشرة" خارجية.

فكنت أسأل: هل يمكنني أن أكسب صداقة هذا الإنسان وأن نتجاوز قشورنا الخارجية ونرى حقيقة بعضنا البعض؟

كل هذه الأسئلة كانت تنازعني، وكنت قد اتخذت قراري بالفعل في لحظات قليلة جدًا بأن أخوض التجربة وأحاول أن أكسب صداقته وأعرف كيف يمكن لبنت وولد أن يتواصلا بشكل حقيقي وعميق بلا أي زيف أو انجذاب ساذج.

مر الوقت وأنا مشحونة بالعديد من الأفكار والمشاعر التي تتقلب داخلي، كان الأمر أننا نصعد جبلأ شاقًا سويًا؛ جبلًا تجاهد فيه روحي لبلوغ الهدف، وهدفها كان أن تكتشف وتسبر أغوار "عفتها". أعرف أن لفظ العفة هذا مبهم، ويحتاج لكثير من التوضيح. لكني تحديدًا، هنا في هذا المقال، أحاول أن أضع الخطوط الأولى لسؤال سيرافقني لوقت طويل في رحلة بحثي، وهو سؤال: ما هي العفة يا إيثار؟

أنثاء رفقتي لذاك الشاب غامض الشخصية الذي صادفته، كنت أحيانًا أتصرف بعدائية تجاهه إن وجدت منه أي ملمح للتودد أو بسط أجنحة حنانه الذكوري نحوي. كأني أقول له توقف، لا تفسد ما أحاول أن أفعله، لا تقطع مسيرة روحي وتشوش رؤيتها وتحجب عنها الحقيقة، ألا تفهمني يا رجل؟ إنني أريد بلوغ الحقيقة. أريد معرفة نفسي، أريد أن أعي مراد الله مني، لماذا تشوش رؤيتي بحركات صبيانية؟

إنني أريد من أعماقي حقًا أن أتواصل معك، لكني أريد أن أخلع ثوب أنوثتي المخادع الذي يغوي ذكورتك، وأريد أن تخلع ثوب ذكورتك الذي يغوي أنوثتي، وأن نتواصل كإنسان وإنسان، بصدق حقيقتنا الداخلية، وليس بزخرف جنسانيتنا الخارجي.

وفي لحظة ما، بعد جهاد طويل، اعتقدت أنني وصلت أخيرًا، وقدرت على عبور المسافة التي تفصل بيني وبين ذاك الشاب، وقدرت على أن أكون أمامه كما أنا دون وجود أي عائق قد يحجب أو يشوش الرؤية، كانت روحي ظاهرة وتتواصل مع روحه، بحيث يمكنني أن أرى الله من خلاله ويرى الله من خلالي. وهذا ما أردته، وسعيت له من اللحظة الأولى. أردت ألا ينجذب إليّ لجمال في نفسي، أو ينظر إلي "أنا" ياعتباري غاية في ذاتي. بل أن يستمتع برفقتي بحيث لا يراني أنا بل يرى بي ويرى من خلالي. أن ينظر معي، إلى هذه السماء الرحبة، وهذه الجبال العاجية، أن ندرك سويًا معانٍ جديدة، ونتبادل أفكارًا عميقة، ونرتقي سلمًا طويلًا لا نتوقف عن الارتقاء فيه. ينظر "معي" لا ينظر "إليّ".

هذه هي الصداقة. وهذا هو الحب.

منذ تلك اللحظة، لم يعد هذا الشاب غريبًا، بل أصبح صديقي. عينان فوق عيني. وروح هي امتداد لروحي.

***

2-((ماذا علمتني هذه التجربة عن العفة؟ ولماذا كانت أحد الأمور التي دفعتني للالتزام بالحجاب؟)):

بعد تلك الحادثة عدت مرة أخرى للحياة اليومية، كنت ما زلت أتلقى دروس الثانوية العامة، وأذهب للمركز التعليمي باستمرار. أذهب بهيئة أنثوية رقيقة تليق بعمري، تنورات وبلوزات جميلة وشعري مفرود على كتفي، ورغم أنني دائمًا أظهر بهذه الهيئة لكني بت أشعر بغضاضة وشكوك تراودني، عندما أدخل إلى قاعة الدرس وأذهب لأجلس بأحد صفوفه، ثم أفكر بغريزة الأنثى للحظة أنه ربما هناك ولد بين هؤلاء الأولاد في الصف المقابل لي، ربما ينظر إليّ أنا تحديدًا دونًا عن كل الفتيات ويقول بينه وبين نفسه: آه.. ما أجمل هذه الفتاة.. كم هي رقيقة!

إنه خاطر، لابد قد خطر ببال كل فتاة، إنه فطرتنا وما جبلنا عليه، ولا أرى عيبًا في ذاتي أن أفكر بهذا الشكل أو يخطر لي مثل هذا الخاطر لإنه جزء من طبيعتي وهويتي وفطرتي، لكني أخذت أفكر، هل حقًا أنا انتظر هذه النظرة أو سأسعد بها؟ نعم إنني أنتظر نظرة ما بفطرتي التامة، لكن مِن من هذه النظرة؟ هل من أي شخص؟ هل من زميل درس؟ في قاعة الدرس لا أحد يعرفني إطلاقًا، أنا مجرد بنت كأي بنت أخرى داخل القاعة، فهل إن حدث ونظر لي أحدهم بنظرة، هل سيقصدني أنا تحديدًا بها؟ أم سيقصد بنتًا من ضمن البنات؟ هل هذا ما أنتظره؟ لا أظن أن هذا هو المنتظر. إذًا لماذا أترك باب هذه النظرة متاحًا من الأساس؟ وأنا أعلم تمام العلم، أنها نظرة ساذجة، وليست صادقة إطلاقًا.

كانت هذه الخواطر تشوشني، وكنت أتوق للحظة الصفاء التي عشتها مع صديقي، حيث لم تكن هناك خواطر ولا أفكار تشوش أو تعوق، أردت لو أستنسخ لحظة الصفاء والعفة وراحة الصدر التي عشتها معه وأكررها كل يوم مع كل الناس في كل وقت، مع زميل الدرس ومع عامل البوفيه ومع سائق الميكروباص، أن أتعامل مع كل هؤلاء بسلامة صدر تامة وبساطة واحترام. وأكون صادقة في تعاملي معهم بأكبر قدر ممكن.

لكن كيف؟ كيف يمكنني أن أعيد هذا الشعور وهذه الراحة؟

هل عليّ أن أبذل كل المجهود الذهني والعاطفي والروحي الذي بذلته مع صديقي مرة أخرى مع كل رجل أو ولد أصادفه؟

صحيح أن تجربتي مع صديقي كانت استثنائية وفي ظروف استثنائية والمجهود المبذول فيها من روحي وتفكيري استثنائي لن أستطيع أن أفعل نفس الشيء عشرات المرات في اليوم الواحد. لكني حاولت أن أفهم جوهر ما حدث مع صديقي وأحاول أن أطبقه بطرق مختلفة مع بقية الناس.

في البداية اعتقدت، أن ما حدث مع صديقي أنني ألغيت أنوثتي وذكورته أساسًا. لكن سرعان ما اكتشفت أن تفسيري هذا كان خاطئًا. لسببين، السبب الأول: أنه من المستحيل أن نتمكن من إلغاء الأنوثة والذكورة ولو لوقت قصير لأن ذلك ضد الطبيعة. والسبب الثاني: أنني لم ألغي جنسانيتنا، بل ما أظن أن ما حدث هو العكس تمامًا. فقد قمت وقام معي في عملية متواصلة متبادلة بمحاولة الوصول لعمق كل منا. وفي عمقي أنثى، وفي عمقه ذكر. أنا كنت أريد فقط أن أتخلى عن القشرة الزائفة للمظهر الأنثوي، لا أن أتخلى عن جوهر الأنوثة ذاته!

أعرف تمامًا أن هذه النقطة في المقال تبدو معقدة، لكني سأحاول فك العقدة في القادم منه! ولفك العقدة ومحاولة إزالة الالتباس على القارئ، سأسوق بعض الأمثلة وقصة شخصية لتوضيح فكرتي.

3- ((الأنثى الكامنة بداخلي)):

قبل بضعة أشهر، كان لدي فرصة في أن تقوم مصورة مبدعة بتصويري، وكان موضوع الصور هو "العلاقة بالجسد"، وتعين عليّ آن ذاك أن أتكلم بصوت عالٍ عن جسدي، وأفكاري عنه، ومخاوفي، وعلاقتي به في إطار مجتمعنا الشرقي، وأن أحاول تخيل، كيف يمكن أن أجسد كل تلك الأمور في لقطة فنية إبداعية، وأن أستخدم رموزًا وحركات توضح أمورًا عميقة في علاقتي بجسدي.

وبعد أيام من التفكير، توصلت إلى تصوري عن نفسي إن أحببت أن أضعني في مشهد فني، ورأيتني كالآتي:

فتاة عارية تقف أمام مرآة طويلة، يبدو شكلها عاديًا جدًا، شعرها ملموم في ضفيرة. إنها في بداية عمرها، ومن الواضح كم هي "صغيرة".

لكن: إنعكاس هذه الفتاة في المرآة مختلف! فهي في المرآة تقف شامخة بجسدها العاري، مليئة بالزهو والفخر وكل خلية في جسدها تنبض بالحب. وربما على كتفيها جناحين كالأجنحة المستخدمة في الرسوم الفرعونية. هذا بالضبط سيليق بي، هذا الشكل الفرعوني سيليق بسمرتي.

قلت لصديقتي: إن هذه الفتاة، المنعكسة في المرآة، هي الأنثى الكامنة في داخلي!

فسألتني: هل ذلك يعني أنك تشعرين أنك سجينة جسدك ومجتمعك؟ وأن بداخلك أنثى مكبوتة؟!

فأجبت: لا! لست سجينة ولا مكبوتة، من أين جاءتك فكرة الكبت هذه؟

قالت: الصورة التي تخيلتها أنتِ توحي بذلك: فتاة بضفيرة، تنعكس في المرآة على هيأة امرأة جامحة بجناحين!

فأجبت: لكني لم أقصد إطلاقًا بهذا التصور أن أرمز إلي سجن أو قيد أو كبت، بالعكس تمامًا، قد أردت أن أقول من خلاله، أن كل بنت بداخلها امرأة جامحة بجناحين، وأن شكلها الخارجي ليس هو مقياس أنوثتها، لا يهم عمرها، لا يهم حجم جسدها، لا يهم إن كان شعرها مسدلًا أم معقوفًا في ضفيرة، لا يهم لون بشرتها، نحافتها أو امتلائها، فهناك خلف كل ذلك أنثى في داخلها، كتلة متحركة من العاطفة والأمومة والحياة، تنتظر اللحظة التي تفيض فيها بهذا الحب، وتخلق الحياة من حولها.

وأكملت حديثي: عندما أنظر لجسدي غالبًا ما أسأله: متى سأفهمك؟

أعرف أنك لست مجرد جسم، أعرف أنك دورة من الحياة والموت والحب والشقاء، أعرف أنك خصوصي جدًا، حتى إن بدوت عاديًا ومتشابه مع كل بني فصيلتك. لكني أعرف أن لك بصمتك الخاصة، وأن لكل جسد على حدة بصمته الخاصة. أعرف أن جمالك جوهري، جمال في تكوينك ذاته، في إمكانية أن تصبح ملجأ لأناس آخرين، أو أن تكون الرحم وطريق العبور لهم إلى الحياة. أعرف عنك ما ظننت يومًا أنه كثير، لكنه يتضح لي الآن أني لا أعرف عنك سوى أقل القليل وأنك مازلت مغلقًا ومبهمًا بالنسبة إليّ. أعرف أنك كتلة من الحنان والعاطفة والجمال سأكتشفها في كل يوم من حياتي. جمالك يكمن في ذاتك. والأنوثة الكامنة فيك هي معنى ضخم، لا يتم حصره فقط في شكل خارجي في أعين الغير.

يمكن أن تكون الأنوثة في المظهر الجميل نعم. يمكن أن تكون في الشعر المصفف بعناية والشفاه الملونة. لكني أرى أنوثتي في أمور أكثر حميمية. أرى أنوثتي في حبي لصديقاتي وعنايتي بهن وحرصي عليهن. أرى أنوثتي في أمومة تكبر معي كلما أكبر. أرى أنوثتي في فكر متميز ممتزج بنظرة للحياة هي نظرة أنثى. وأراها في حب رقيق متعفف في قلبي. وأراها في أطفال سيكونون يومًا أطفالي، وعالمًا، سأنسجه بدفئي وجمالي. فإن الأنوثة أمر، والقشرة الخارجية البراقة التي نحيط بها أنفسنا ربما تكون أمرًا مختلفًا تمامًا عن الأنوثة الجوهرية.

القشرة الخارجية الكاذبة، التفاصيل التي نحاول أن نرى بها أنوثتنا في أعين الآخرين، بزينة أو فعل وتصرف، كأن أنوثتنا تنحصر في نظرتهم. كأننا نريد أن نقول: أنا هنا، أنا أنثى.

في حين أن أنوثتنا هي في الحقيقة شيء عميق وجوهري أكثر من ذلك بكثير. فأنا يا جسدي في غنى عن نظرة إليك لا تعرفك وتحصرك وتحاصرك.

وبالعودة لموضوعنا الأول، وهو تفسيري لما حدث مع صديقي، فأنا كنت أريد لصديقي أن يشيح بنظره عن هذه القشرة الكاذبة فقط. لكني لم أكن أطلب أبدًا أن أقتل أنوثتي الجوهرية أو أقتل ذكورته الجوهرية أيضًا. لأن هذه أمور لا يجب أبدًا أن تقتل. إنما فقط أريد أن أرفع حجاب السذاجة والانجذاب الأبله بيننا. ليتثنى لنا أن نرى أمورًا أعمق!

وإذن.. فإنني إن أردت استخلاص جوهر ما حدث معه، فربما يكون هذا الجوهر هو إدراكي التام لنفسي وله، واحترامي الكامل لنفسي وله. وبشكل ما، إنني كنت فعلا أنزع القشرة الخارجية المزيفة عني وعنه. لكني على نحو آخر، بينما كنت أتعامل معه كإنسان وأرغب في التواصل الفكري معه، فإنني في ذات الوقت كنت أعترف بأنوثتي واختلافها وجوهرها وكونها جزء أصيل فيّ وفي إنسانيتي، وبدلًا من أن ألغيها، كنت أدركها أكثر وأكثر أمام ذكورته، لكني كنت أقوم بتغطيتها بحجاب رقيق!

حجاب رقيق؟ أليس هذا أيضًا لفظًا مبهمًا؟ معك كل الحق عزيزي القارئ، لكني سأحاول أيضًا إيضاح كل هذا اللبس في الفقرات القادمة من هذا المقال.

4- ((ارتدائي للحجاب)):

لم أقصد بكلمة "حجاب رقيق" الإشارة إلى زي الحجاب الإسلامي المتعارف عليه، بل قصدت عمومًا وجود أي نوع من أنواع الحشمة والوقار الذي يكتنف المرأة والرجل في تعاملهما سويًا.

لكني مع بحثي الدائم عن سبيل وجود هذه الحشمة مع كل الناس وفي كل وقت (كما ذكرت في الأعلى) فإنني كنت أجد بداخلي أمرًا شديدًا يدفعني بشكل واعٍ ولا واعٍ في ذات الوقت إلى ارتداء الحجاب كـ"زيّ" و"رمز ديني"، وأن أختاره معينًا لي في حشمتي. مع شعوري بأني سأجد فيه الحل الصعب/ السهل الذي أبحث عنه.

كان الموقف عجيبًا جدًا، فقد استقيظت للخروج إلى رحلة للحسين، وراودني شعور غريب من نوعه، أنني لا أريد أن أنزل إلى الشارع دون حجاب. وقفت في جامع الأزهر أمام الشيخ محمد الذي أقابله للمرة الأولى، أبكي، وأقول له من وسط بكائي: "إنني لا أريد منك النصح ولا أتحدث إليك لأجد أي إجابة، لكني أريد أن أتحدث فقط. فقط. بلا هدف."

أخبرته أنني قد خلعت الحجاب بإرادتي الكاملة منذ أربعة سنوات، وأنني الآن على وشك إرتدائه بإرادتي التامة أيضًا. وقد كنت مثقلة بالمشاعر التي تجعلني أستمر في البكاء والرجل ينظر إليّ بعينين فائضتين بالحنان والأبوة. أخبرته أيضًا في أني مازلت أواجه بعض الإشكاليات في قصة الحجاب هذه، وأنني حائرة في نظرتي للجسد، فأنا مثلًا أحب الرسم العاري وأجد فيه جمالًا خاصًا، فهل هذا ضد إيماني بالحجاب؟ أم أنني ربما أتوصل لرؤية مختلفة للأمر في ما بعد؟

وأكدت عليه أنني لا أنتظر منه أي نصح، فأنا أعرف طريقي تمامًا، أعرف أنني سأخرج من هذا المسجد لأشتري حجابًا. أعرف أنني سأفعل ذلك وأنا عازمة عليه من كل قلبي.

وخرجت أهرول، قطعت الكثير من الشوارع حتى وصلت إلى محل يبيع قطع الحجاب. اشتريت حجابًا أحمر ولففته داخل المحل، وخرجت إلى الشارع!

كان أمرًا غريبًا.. دفعني لسؤال نفسي: لماذا فعلت ذلك؟ لماذا الحجاب بالذات؟ وما معنى الحجاب؟

الشوارع من حولي مكتظة بالفتيات، كلهن يرتدين حجابًا كحجابي، لنا كلنا نفس الهيئة، لكن ما معنى هذه الهيئة؟ وهل لدينا كلنا (أنا والفتيات الأخريات) نفس الإدراك لمعنى وحقيقة هذه الهيئة؟

وسرعان ما وجدت نفسي أمام أسرتي وأصدقائي، الذي لم أخبر أحدهم منهم قط أنني أنتوي الالتزام بالحجاب. سألني أخي: لماذا ارتديتيه؟

قلت: هو أمر يصعب علي شرحه، لكن دعني أقول لك، أنني في الأساس من فترة طويلة أعيش الحجاب في داخلي، أنا محجبة في قلبي، وفي تصرفي، والحجاب كشكل خارجي بالنسبة إليّ هو تكملة لما هو في الأساس أمر قلبي وروحي تمامًا.

قال: مبروك..

قلت: لا أحب أن تبارك لي على ارتدائي للحجاب في ذاته. بل أحب أن تباركني لأنني أفعل ما أصدقه عمومًا. أيًا ما كان هذا الذي أصدقه.

لكن يبقى السؤال: ما هو الحجاب هذا الذي ارتديته؟ وما تفسير ما حدث مع صديقي؟ وما هي العفة؟ مازلنا نبحث ونفتش بقوة عن الإجابة خلال هذا المقال.

5- ((قال حسين صدقي: "الفتنة دي حاجة جميلة!")):

في فيلم لحسين صدقي تقف أمامه فتاة في ثياب رياضية قصيرة، فاعترض الرجل وقال أنه لا يمكنه الوقوف معها مادامت في هذه الهيئة. فاستعجبت الفتاة وقالت ألستم أنتم المسلمون تريدون ألا يكون هناك شهوة وفتنة؟ عندما يتعامل الرجل والمرأة مع بعضهما البعض وترتدي المرأة ما تشاء سيصبح هذا معتادًا مع الوقت، وستزول الفتنة!

فاستدرك الرجل قائلًا أن الفتنة في ذاتها جميلة وأننا لا نريد لها أن تزول، بالعكس، نريد أن تظل موجودة وحاضرة، لكن في إطارها الطبيعي، الذي قال أنه "الزواج".

سنواجه أزمة بكل تأكيد إن أطلقنا قولًا عامًا بأن الحجاب معناه "أن ترى المرأة كإنسان وليس كجسد"، لأن على الجانب الآخر، الرأي الذي هو ضد الحجاب بالكلية، حجته أيضًا أنه يريد "أن ترى المرأة كإنسان وليس كجسد". ولن ننتهي من هذه الدائرة المعادة والعقيمة إلا إن وصلنا لتحديد أصلًا لماهية هذه المرأة التي نريد أن نعاملها كإنسان؟!

لا أعتقد أن العري في حد ذاته هو ما يجعل المرأة مجرد جسد. حيث أنه من الممكن جدًا أن أرتدي ثيابًا كاشفة لكنها لن تكون بالضرورة مثيرة أو تقوم بابتذال جسدي. مثلما نرى السائحات عندنا في مصر بثياب كاشفة لكنها بسيطة جدًا وغير ملفتة في حد ذاتها.

وعلى هذا النحو، لا نستطيع أن نجزم أن الحجاب هو الإنسانية والعري هو الابتذال والعهر. أو العكس، أي أن يكون عدمه هو الإنسانية.

لكننا يمكننا التحول إلى نقطة أخرى، وهذه النقطة تقول أن من الممكن فعلًا ألا يكون العري فاحشًا، بل من الممكن حتى ألا يكون فاتنًا. لكن كونه غير فاتن هذا في حد ذاته مشكلة.

لقد سبق وشرحت في الفقرات الطويلة السابقة، كم أن أنوثتي هي جزء أساسي في تكويني. وإني لا أستسيغ فكرة أن أكون مضطرة إلى فقد هذه الأنوثة أو تطويعها بأي شكل حتى أندمج وسط الرجال. أي أن أحاول أن أجعل جسدي محايدًا، لا ذكوريًا ولا أنثويًا صارخًا. فإنني في هذه الحالة أفقد هويتي وتميز أنوثتي. وسيفقد الرجل أيضًا تميزه، لأن رجولته لن توجد إلا في وجود أنوثة مكتملة.

فليس الهدف أن يزول الفارق بين الرجل والمرأة، ولا أن تدهس الحياة اليومية حنانها وأنوثتها، ولا أن تدهس الحياة اليومية قوة الرجل وطابعه الذكوري. وإن أزلناهما، ظنًا منا، أن هذا سيجعل التواصل بين الجنسين أسهل وأكثر إنسانية، فإننا نكون مخطئين، لأنه سيصبح محض تواصل وتفاعل مشوه ومنقوص.

ليس الهدف أن يزول جمال المرأة أو يتم تحجيمه، بالعكس، الهدف أن يكون هذا الجمال موجودًا طوال الوقت، بل وأن يتم توفير البيئة المناسبة لنموه وازدهاره وتحسينه والتعرف عليه بعمق، من الداخل ومن الخارج أيضًا. فالمرأة في تعرفها على جمالها الظاهر تتعرف على جزء كبير من جمالها الداخلي وجوهر أنوثتها ووجودها. فالأصل أن تكون جميلة، ثم بعد ذلك تظهر هذا الجمال في مواضع وتبطنه في مواضع وظروف أخرى بما يقتضي كل ظرف وكل حال.

والحجاب، لا يعني أن الجمال زال، بل معناه أنه موجود لكنه باطن غير ظاهر للنظر، لكنه موجود ومعترف بوجوده، والحجاب هو جزء من هذا الاعتراف، فهو فعلًا زيّ جنسي، لكن بالمعنى الجيد لا السيئ، أي أنه يوضح ويشير ويتضمن في معناه أنه هناك جمال موجود بالفعل لكنه باطن الآن في هذه اللحظة لأنه لا يجب ولا يفيد في شيء أن يتم إظهاره حاليًا. ويتضمن أيضًا، أن كل من الرجل والمرأة، معتد بنفسه، وبتميزه، ومدرك لذاته، ومحترم أيضًا لمساحة ووجود الآخر ومدرك له.

وبذلك حين يتواصل رجل وامرأة، فإنهما يتواصلان بقدر المسموح به من شروط تحافظ على كيان كل منهما وعلى تميز كل منهما. والصداقة بينهما تأخذ معنى مختلفًا عن الصداقة بين شخصين من نفس الجنس، حيث أن الصداقة لا تعني تجاوز كل منهما للآخر، أو تجاهل تميزه الجنسي، بل معناه الإقرار به واحترامه. فتصبح الصداقة محددة بهذه الحدود ومشروطة بهذه الشروط. شروط احترام الاختلاف. واحترام المسافة. وعدم تعديها. ووجود "حجاب رقيق" بينهما.

أما الصداقة العميقة، التي لا تحد بحد ولا تشرط بشرط، فإنها حين تحدث بين شخصين من جنسين مختلفين، أي بين رجل وامرأة، فإن هذه الصداقة هي الحب بحد ذاته. أن يستطيع رجل وامرأة التواصل بشكل كامل بلا أي شروط، بانفتاح تام بين عقليهما وقلبيهما وروحيهما، فإن هذا معناه أنهما ببساطة واقعان في الحب. أو يمكننا أن نصيغها بشكل آخر ونقول: أن الحب الحقيقي ما هو في الأساس إلا صداقة متينة.

وربما هذا هو تفسير ما سبق. 

 وبشكل ما أيضًا أستطيع أن أجيب عن سؤال العفة إجابة مبدأية ومختصرة جدًا وأقول أن العفة هي هذا الوعي وهذا الإدراك لأنفسنا وللطرف الآخر وتقديرنا التام لأنفسنا وللطرف الآخر.
لكن يبقى سؤال العفة هذا مفتوحًا لكثير من الإجابات التي أظن أنني سأعرفها وأصل إليها في وقت لاحق.. 

أما عن سؤال: لماذا ارتديت الحجاب؟ ولماذا أتمسك به؟ وما الذي يدفعني للتمسك به يومًا بعد يوم؟ ألن أمل يومًا هيئتي وأفكر في هيئة أخرى؟

لكني أتوصل ضمنيًا، بعد كل هذا الشرح والتوضيح والتنظير والتحليل، إلى أن الفكرة وراء الحجاب أكبر من مجرد مظهر، هو جزء –مجرد جزء- من رؤية وفلسفة وفهم لطبيعة الحياة وعنصريها الذكر والأنثى، وهذه الرؤية لن تتحول إلى واقع بمجرد كوني أرتدي ثوبًا طويلًا وألف قطعة قماش حول رأسي. بل إن الأمر يبدو لي مثل رحلة أقطعها في سبيل اكتشاف الحياة واكتشاف أنوثتي وماهيتي، وفهم رجولة الرجل وماهيته، وبالتالي فهم آية من آيات الله في كونه وبالتالي.. شكره وعبادته..

في أيام كثيرة كل ما أريده أن أنزل إلى الشارع وأعبر الطريق وأنا أضع أحمر شفاه أو خطًا يكحل عيني، ليس لأي سبب غير أن ذلك ببساطة يمنحني ثقة ما، وغالبًا ما أطاوع هذه الرغبة وأنفذها، وفي اللحظة التي أقف فيها إلى المرآة لأضع أحمر الشفاه غالبًا ما أسأل نفسي.. ما الحجاب يا إيثار؟ هل الحجاب هو أن تضعي هذه الطبقة الحمراء فوق شفاهك أو ألا تضعيها؟ ودائمًا ما أجيب.. لا أعرف، لكني أعرف أن الحجاب رحلة سأكتشفها أنا وأنتِ يا إيثار، وأعرف أنني مازلت أتلمس بدايات الطريق وبدايات الرحلة.

الجمعة، 1 أبريل، 2016

ما فعلته بي سانت كاترين - الجزء الأول

1 - مقدمة لا بد منها:

قبل كل مقال أنشره، يتملكني خوف شديد، فأنا في هذه المقالات أتحدث فقط من خلال تجربتي الشخصية عن أفكاري: عن الكون وعن أمور فلسفية عدة تتعلق بنا كبشر. كثيرًا ما أفكر، ما الذي يضمن صحة ودقة ما أقوم بكتابته ونشره؟

لكني في لحظة ثقة وبصيرة، أخبرت أختي أنني أعتقد بشدة أن لأرواحنا طريقتها الخاصة في التفكير ومنطقها الذي يختلف عن المنطق العقلي، وأن هذه الطريقة في التفكير التي يمكن أن نسميها "الحدس" ليست اعتباطية، وليست خاضعة لهوى كل إنسان، وليست ساذجة، بل إنها تمتلك القوة والأصالة الكافية للكشف فعلًا عن الحقائق وتفسير الأمور، ولها مبادئها وأسسها.

صحيح أن هذه المبادئ والأسس لا أستطيع أن أضع يدي عليها الآن بشكل كامل، وأشرحها بالتفصيل، لكنني أعرف "بحدسي" أنها موجودة. إن روحنا قادرة على التفكير باستقلال عن العقل.

وفي هذا المقال، أترك روحي، تتحدث بمنطقها الخاص، أمام الجميع، دون خوف ولا ستار.
***


2 - "إن وعينا البشري له القوة والأصالة"
كثيرًا ما أقع في الحيرة الأخلاقية عندما أضطر للحكم على شخص ما أنه قام بعمل سيئ أو جيد،  أواجه السؤال الوجودي الآتي: إن كانت الظروف والأقدار مخططة وموضوعة مسبقًا، إذًا لماذا يلام الإنسان إذا تصرف بشكل خاطئ نتيجة لهذه الظروف؟
ما هي حدود إرادة الإنسان الحرة، مقارنة بحدود إرادة الله؟
ولنكن أكثر موضوعية وعقلانية، يمكننا الاتفاق على استبدال لفظ "الله"، بأن نطلق عليه "الوعي أو العقل الكوني" الذي يجاوز وعينا المحدد كبشر. ولنعد السؤال كالآتي: ما حدود الإرادة الحرة (للإنسان الفرد) مقارنة بحدود إرادة العقل الكوني الأكبر؟
هل الإنسان محكوم تمامًا بالظروف البيئية والاجتماعية والزمنية المحيطة به؟ هل حتى هو محكوم تمامًا بجسده وقدراته الحسية وبنيته النفسية التي قد لا تكون في وضعها المثالي؟ فقد يكون جسده مقيدًا أو محبوسًا، أو قد يعاني من ضعف في السمع أو البصر أو أي من قدراته الحسية، أو قد يكون صاحب بنية نفسية لا تساعده على التعامل بمرونة مع الحياة.
هل الإنسان هو مجرد شيء تتحكم فيه كل الأمور السابق ذكرها؟ هل هو مجرد ترس في آلة ضخمة؟ هل هو مسلوب الإرادة؟ هل العقل الأكبر/ أو الله وحده هو من يريد ويفعل ونحن لا نملك أن  نريد ولا نملك أن نفعل؟ وإن كان بمقدور الفرد أن يريد وأن يفعل، فما حدود تلك الإرادة وما أثر ذلك الفعل؟

منذ حوالي شهرين، سافرت إلى سانت كاترين، وحظيت خلال هذه الرحلة برفقة طيبة، صعدنا سويًا جبل موسى. وخلال صعود الجبل، كانت الإجابة عن سؤال: "الإرادة" تتشكل داخلي.

قال صديقي: كنت أعرف أن جسدكِ لا يستطيع صعود الجبل، لكني كنت متأكدًا أن عقلك وقلبك يستطيعان أن يفعلا ذلك!
أجل يا صديقي، أنا التي لم تسافر يومًا إلى أي مكان بمفردها، والتي تعاني من هموم ثقيلة منذ طفولتها، هموم لا تكبلها نفسيًا فحسب، بل تقيد جسدها، لي تاريخ طويل مع جسدي المتعب والواهن طوال الوقت الذي يعبر عن الحزن بطريقته، في طفولتي كان من المتكرر أن أتعثر في الطريق وأقع، هكذا يعبر جسدي عن وحدتي وحاجتي للاهتمام، وفي سن أكبر، كان يلازمني مغص شديد في البطن لا ينقطع، ربما لازمني لمدة سنتين كاملتين. إن جسدي لا يتحمل المشي الطويل لساعات، فما باله بصعود جبل في خمس ساعات متواصلة؟
لكن في لحظة صعود الجبل، كانت كل العوائق النفسية والجسدية تتهاوى، كان ذهني متحررًا من كل شيء، من كل الأفكار، وكل المخاوف، وحتى كل الآمال، كنت أصب كل تركيزي على أمر واحد فقط، أنني أريد أن أرى الله.
أريد أن أصعد هذا الجبل، أريد أن أتحدى جسدي، أريد أن أكتشف القوة الكامنة داخلي. وفي سبيل ذلك كنت أحارب بكل كياني، بعقلي وروحي وأنفاسي. خلال رحلة الصعود هذه كنت في كامل وعيي، كان عقلي لا يكف عن الاسترسال في حديثه الفلسفي. وكنت على درجة عالية من الوعي بذاتي وبكل ما حولي من طبيعة وجبال ومن بشر. لم أفقد هذا الوعي المتقد ولو للحظة واحدة، رغم ما كان يكابده جسدي من مشقة الصعود.
***

3-" في جوهر كل إنسان نفحة من قوة الله"
"الإرادة الحرة": الكلمة التي تهز جنبات روحي وعقلي توقدًا وشغفًا.
 سألني مدرس التاريخ: ما الذي تريدينه الآن؟
 قلت: أريد أن أكون إنسانة حقيقية.
لم يفهمني ولم يفهم قصدي بـ "إنسانة حقيقية".
الإنسان الحقيقي هو الإنسان الممتلك للإرادة، الإنسان القادر على الصنع والإنتاج والتغيير وترك الأثر. أستحضر في ذهني صورة الإنسان الأول، قبل كل ما نعيشه من عبث التكنولوجيا، الإنسان الذي يتعامل مع الأرض والطبيعة وجهًا لوجه، يغرس يده في الطين ويعصره بكفين قويتين ليبني منه صرحًا ضخمًا. الإنسان الذي يعرف الله بفطرته قبل الكتب والشرائع والمسميات.
أريد أن أكون إنسانة حقيقية يا أستاذي.
عقلي مولع بكلمة "إرادة". للإنسان الفرد إرادة منفصلة ومستقلة عن غيره من الأفراد ومستقلة عن إرادة الله ومتصلة بها وتمثل امتدادًا لها في ذات الوقت. الله وضع القدر/ أو الكل الكوني نظم نفسه بشكل غاية في الإحكام، حتى يظن المرء نفسه فأرًا داخل مصيدة لا مفر منها، مصيدة القدر المحكم. ومن الذكاء أن يظن المرء ذلك ويدركه، يدرك أن له جسدًا يحده، وزمنًا يحده ومكانًا يحده وأحداثًا تحده، لكن عليه أن يذهب إلى أبعد من ذلك، بعد أن يدرك هذه الحدود جيدًا جدًا عليه أن يستخدم (عقله) ليكسر كل حد وقيد ويحقق قدرته وإرادته الحرة. العقل والإرادة هما من صفات الله، وجوهر الإنسان، هو نتفة من جوهر الله، قبس منه، روح منه، الله يفعل، والإنسان أيضًا يفعل لأن روح الله فيه.
إن توقف الإنسان عن الفعل وعن القدرة فإنه بذلك يستغني عن أهم ما يميزه كإنسان بحيث لا يعود إنسانًا.
دائمًا ما كان لدي مشكلة مع المسلمات الدينية الراسخة، مثل: الدعاء. عقلي المتهكم على كل شيء كان يتهكم جدًا على فكرة الدعاء، فببساطة للحياة قوانين، إن أكلت سأشبع، وإن لم آكل سيضعف جسدي، إن سعيت للوصول لشيء ما سأصل، وإن لم أسع كفاية لن أصل. ما دخل الدعاء بكل ذلك؟ لماذا يريدون إقناعي بأنني إن دعوت الله –الذي لا أستطيع التأكد من أنه موجود بالمعنى الحرفي- فإن ذلك سيغير شيئًا؟ سيجعل وصولي للشيء يتحقق مثلًا، أو يجعل مرضًا ما في جسدي يشفى أو خطرًا محدقًا بي يزول؟
هل الله بابا نويل؟ هل الله رجل يطل علينا من السماء بعصا سحرية لتحقيق أمانينا التي لا نستطيع تحقيقها؟ ولماذا يحقق أمانينا نحن بالذات؟ لماذا يحقق أماني المسلمين أو المسيحيين؟ هل يحقق أماني البوذيين أيضًا؟ ثم إني جربت أن أدعو الله كثيرًا فلم أجد أي استجابة! دعوت ألا يسافر أبي وسافر، دعوت أن يبتاع لي الحلوى ولم يفعل، دعوت سنة كاملة ألا أفقد شيئًا ووجدت نفسي في النهاية قد فقدت كل شيء! حسنًا ها هي التجربة نفسها تثبت أنه لا دعاء..
لكني في هذه اللحظة، يتراءى لي، أن الدعاء هو معنى وقيمة أبعد من كل الكليشيهات التي تم تلقيننا إياها في صغرنا، فعلًا الله ليس بابا نويل، ولم يكن الغرض من الدعاء قط أن يكون الله في نظرنا بابا نويل، وفي ظني أنه إن كان من الدعاء حكمة، فحكمته أنه شكل من أشكال الإرادة الحرة للإنسان.  رخصة أعطاها الله للإنسان حتى يحقق إرادته وقدرته. وفي صحيح الدعاء أن الدعاء يرتبط بالعمل، يرتبط بالسعي والصبر والمكابدة، إلى جانب استحضار روح الله داخلنا، استحضار جوهرنا الممتلك للإرادة، وفي لحظة الاستحضار لابد من أن تتحقق غاياتنا.
كأن الله يقول للإنسان بمنحه الدعاء: أنت حر، أنت قادر، أنت قوي، أنت مؤثر بقدر ما أنا مؤثر، أنت مؤثر بقدر ما أنت موقن بي ومسلم لي.
وأنا أقلب في صفحات دفتري الشخصي لهذه السنة، الملآن بالنصوص الخاصة والصلوات المتلهفة، وجدت أنني كنت طوال الوقت أستخدم الدعاء، في كل لحظة، في كل حرف كتبته في دفتري، وكل حرف كتبته على صفحات مدونتي أو الفيسبوك خاصتي، وكل حرف كتبته حتى في رسائلي لأصدقائي، طوال الوقت كنت أستخدم قدرتي وعزمي وشعوري القوي بالله حاضرًا بداخلي. ولذلك، لا عجب، من أن كل حرف كتبته يتحقق أمامي الآن. كل مرة سعيت فيها لبلوغ تفتح الذهن، ها هو يتفتح أمامي يوميًا، وكل مرة سعيت فيها لمعرفة الحب، ها أنا أتلمسه يوميًا. هل قلت أنه لا دعاء استجاب لي؟ بل كل ما دعوته استجيب.
***

يذكرني صديقي: لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
 ***

4- ما فعلته بي سانت كاترين:
كل تلك المعاني قبل رحلة سانت كاترين كانت داخلي كأفكار فلسفية مجردة وليس كإيمان ديني. أفكار فلسفية متعلقة بالخير والشر وحقيقية الإنسان والوجود، كنت أفكر أنه هناك موجود أعلى/ صورة مثالية/ كمال ينبغي للإنسان الوصول إليه وفي بعض الأحيان نطلق على هذا الموجود الأعلى اسم الإله أو الله أو الرب. هذا الموجود الأعلى هو الحقيقة القصوى، التي يحاول الإنسان بلوغها من خلال الصدق وحده، فإننا مثلًا لا نسرق لأن السرقة هي في جوهرها عبارة عن كذب أي أننا ندعي كذبًا امتلاك شيء ليس لنا، ونحن لا نزني لأن الزنا في جوهره كذب أي أننا ندعي لحظة اتحاد وحب هي في حقيقتها ليست إلا أنانية ووحدوية. لا نقتل ولا نغش ولا نفعل أمورًا كثيرة لأننا نحاول بجد أن ننبذ الكذب ونتحرى الصدق لنصل يومًا ما للحقيقة القصوى، للجوهر الأعظم، الذي قد نسميه "الله"، لنصل للخلاص، من كل أشكال الدنيا وخداعها، ونمسك بيدنا شيئًا أصيلًا وحقيقيًا، يروي ظمأنا وعطشنا.
لكن ما حدث تحديدًا في سانت كاترين، كان أشبه بعملية ضغط الفحم حتى يتحول إلى ماس، هذه الأفكار الفلسفية كانت سانت كاترين بجبالها وبالرفقة التي حظيت بها فيها تعمل على ضغطها وصهرها واختبارها، كانت النظرية العقلية تتحول لواقع روحي فعلي أعيشه وأختبره، أختبر الإنسان الصادق الذي بداخلي، أختبر قدرته على التحمل، أختبر صلابة ذهنه، وقدرته على الاختيار حتى تحت الضغط الجسدي، إن كل ذلك قد حول أفكاري المجردة إلى إيمانيات تقع في مستوى أعمق من مستوى العقل، تقع في روحي.
صار الله أوضح وأقرب إلى روحي مما سبق. ليس كفكرة فلسفية عن الخير والجمال، بل كإيمان صادق في قلبي، كنت ببساطة أخطو أول خطوة نحو روح الإنسان الأول الموجودة في جوهر أعماقي، الإنسان الذي يعرف الله بقلبه، قبل الحضارة، وقبل الفكر.
بعد سانت كاترين، العودة للحياة اليومية باتت أمرًا صعبًا، المواصلات والشوارع والدروس الخصوصية والناس، كل هذا العالم بكل ما فيه ومن فيه كان بعيدًا جدًا عني، حتى أنا نفسي كنت بعيدة عن نفسي، تائهة وذائبة داخل تيار جارف لا أعرف له اسمًا ولا شكلًا، ولكني أعرف أنه "الحق". رؤيتي اختلفت، وعيي اختلف، صار أكثر اتساعًا، لا تحده حدود الزمان والمكان، انطلق لفيض أبدي لا ينقطع.. لكن الواقع يهددني بشراسة، يجب أن أعود للحياة! يجب أن أعود للانتظام في الدراسة! بهذه الحال سأرسب بكل تأكيد، يجب أن أجد طريقة، تجعلني أستمر في ممارسة حياتي اليومية، إلى جانب استغراقي في هذا الفيض الروحي. وهذه الطريقة كانت بالنسبة إلي هي: الدين المنظم.
***

5- الدين المنظم حلقة وصل بين الروح والجسد
في طريق العودة من سانت كاترين إلى القاهرة، أخبرت رفيق رحلتي أنني أظن أنه إن كان هناك دين أحق بأن يتبع، فإن غرض الدين في حياة الإنسان أن يرسم له الخطوط العريضة للخطأ والصواب. لكن في الأساس المعيار الحقيقي للخطأ والصواب هو في داخل الإنسان، في جوهر كل إنسان بوصلة تمكنه من التصرف والاختيار والاتجاه، والدين فقط يساعد الإنسان على ألا يضل ضلالًا بعيدًا عن جوهره بوضع خطوط عامة له يمكنه أن يسترشد بها.
وأنا الآن أذهب بتفكيري إلى ما هو أبعد من ذلك، فأقول أن الدين ليس فقط "يضع الخطوط العامة" بل إنه حلقة الوصل بين أجسادنا وأرواحنا. بإمكان أرواحنا وحدها أن تستدل على الخير وعلى الله، أن تشعر بقوة وجلال وجمال الله، أن تغرق في بحر وفيض لا نهاية له من الحب والغبطة والسرور الروحي. لكنها كي تترجم هذا الإحساس إلى صورة مفهومة وإلى ممارسة يومية تحتاج إلى "الدين"، أي أن الدين هو الممارسة اليومية للشعور الروحاني الصافي.
سألتني صديقة، ما أهمية الدين في وجهة نظرك؟
فأجبت:

"الدين هو احتواء لإحساسي.. تكملة له.. تحويله لإطار الممارسة الفعلية اليومية.. بدل ما أنا مرهقة من طول الهيام في عظمة الله.. أنا بمارس الهيام والحب ده بشكل يومي ومستمر ومريح وبيخليني قادرة أكمل حياتي.. ده دور الدين في وجهة نظري.. إن هو مكمل لشيء في الأصل جوانا.
واللي جوانا ده بس هو اللي يقدر يحدد أنهي تفسير من تفاسير الدين اللي الناس بتتوه ما بينها هو الصح أو هو الأصح.
شخص زيي، معندهوش أي دافع في الحياة إنه يصحى الصبح من النوم ويشوف وراه ايه.. عمليًا مفيش حاجة في حياتي أشخاص/شيء أخاف عليه يروح أو حتى شكل اجتماعي أخاف عليه يبوظ.. أو أي نيلة تدفعني إني أقوم والله.. الحاجة الوحيدة اللي فعلًا بتحركني إني بفكر في إن ربنا موجود في تفصيلة ما هشوفها لو قمت من السرير.
فإني أقوم عشان أصلي بالذات.. أقوم عشان أقابل ربنا، ده أكبر دافع ممكن إنسان يملكه عشان يصحى الصبح.
سألتيني هي ليه خمس صلوات وليه في أوقات محددة؟ ليه مش كل واحد يصلي بطريقته؟
أنا بشوف إن ده عشان الفكرة اللي شرحتها من شوية.. احنا مش مجرد أرواح هائمة.. لأ لينا وجود مادي ولينا أجساد.. الأجساد دي محتاجة النظام عشان تؤدي مهامها وتعيش مبسوطة.. أنا مش بعبد ربنا بروحي بس.. بعبده بجسمي وعقلي وكلي. أنا محتاجة الأوقات المحددة دي عشان جسمي يفضل يقظ.. وعشان كل ما همتي تقل الصلاة والإلزام اللي فيها يقويني. طب وليه الحركات والتفاصيل التانية محددة أوي كدة؟
أنا مش شايفة دي نقطة كبيرة أو تستحق كل ما يثار حولها.. بس هي في نفس الوقت نقطة مش صغيرة ومش تافهة بردو.. زي ما قلتلك أنا كنت بعيط إني مش عارفة أعبد ربنا ازاي.. شكل الصلاة ده بالظبط هو بالنسبالي حاجة بتريحنا من عناء "ازاي".. وبتخلي الصلاة كمان قابلة لإنك تعلميها لحد غيرك.. أو تشاركيها مع حد غيرك.. تصلي مع اللي بتحبيهم.. بشكل كلكم متفقين عليه.. ليه لازم ناخد بالنا أوي من الحركات والتفاصيل دي ومنغلطش فيها؟ عشان نحافظ على الشكل ده للعبادة.. زي ما بتحافظي على الآثار كدة وبترمميها عشان الزمن ميبوظهاش.. يمكن لو فرطنا في التفاصيل الصغيرة هوب نلاقي التفاصيل الكبيرة اختلفت."
***

وبذلك نستطيع القول إن الإحساس الروحاني، أو التصوف، هو جوهر الدين، وإن نزعناه من الدين فإننا بذلك ننزع منه جوهره، أي نحوله إلى كتلة جامدة من الأوامر والنواهي التي لا تنطوي على معنى ولا على فائدة أو قيمة، وربما أيضًا ذهبنا أبعد من ذلك فحولناه إلى أداة لسفك الدماء ودبابة تدهس كل من ليس على هواها تحتها دون رحمة ودون منطق.
***

6- على أرض الواقع، ما الذي تغير في إيثار بعد سانت كاترين؟
على أرض الواقع ربما صارت حياتي أعقد وأكثر تشابكًا، وتحدياتها صارت أصعب، فأنا أسابق الزمن وأسابق نفسي كي أمر من هذه السنة الدراسية بنجاح. وفي ذات الوقت أتعامل مع أمور جديدة كليًا بالنسبة إليّ مثل الدين. في تعاملي مع الدين لم أفكر كثيرًا، وأنا أمسك القرآن وأقرأه بصوت عالٍ، لم أفكر أبدًا في كل الجدالات الدينية الدائرة حولي هذه الأيام، لم أفكر في صراعات الملحدين والمتدينين المحتدمة، ولم أفكر في أي جانب علي أن أقف وأي الصفوف علي أن أدعم، لم أفكر حتى هل هذا القرآن حقًا منزل من الله أم أنه اختراع بشري؟ وإن كان منزلًا من الله، فكيف وصل إلينا بهذه الصيغة التي نستطيع فهمها كبشر؟ ولماذا باللغة العربية تحديدًا وليس بأي لغة أخرى؟ صدقًا لم أفكر في أي من ذلك، فكرت فقط، أنه يا إلهي كم هذا القرآن جميل! كم أجد نفسي غارقة في حروفه أرى روحي داخلها، وتتكشف لي عند قراءته صور وأفكار لم تخطر لي من قبل، أو ربما خطرت لي مئات المرات، لكنها لم تكن بهذا الوضوح والرسوخ. ربما أجد آية ما تلم بفكرة فلسفية طالما شغلتني، أو آية تخاطب ضعفًا ما في نفسي فتجبره. إنني أتواصل معه، أتواصل مع حروفه، كشيء حي. يجعلني هذا القرآن شخصًا أفضل.
على أرض الواقع، أنا أخوض يوميًا معركة مع المجهول، لا أعرف حتى من عدوي الذي أصارعه، أختبر حيرة الإنسان الأول، وأصبر على أمور ترهق نفسي، ولا أملك إلا أن أستمر في سعيي المتواصل، نحو أن أكون إنسانة أكثر، أن أعرف أكثر، وأحب أكثر، وأقارب جوهر الحقيقة أكثر. إنني حقًا أعيش عيشة محاربة قديمة شرسة تريد أن تنتصر.

الثلاثاء، 29 ديسمبر، 2015

عن الجسد: كتلة الألم ومحاولات الخلاص

نشر هذا المقال على موقع ساسة بوست في 7 ديسمبر 2015
الرابط من هنا.

***
كالعادة، أنا في هذه المقالات، أدوّن أفكاري وعاطفتي في آن واحد، ولا أستطيع فصل إحداهما عن الأخرى.
لذلك سأبدأ بالجزء العاطفي: منذ أربعة أعوام تحديدًا، مثل أي بنت تكبر وتبلغ بدأ وعيي بجسدي يتشكل، أو بمعنى أدق: وعيي بـ"الألم الجسدي"، الألم العميق، الذي يحتل المشهد فجأة وبدون مقدمات. حالة عامة من التوتر المنبعث من الجسد والمنصب على الجسد. تبدأ أسئلة حول الشكل، هل شكلي جميل؟ أسئلة حول المجتمع، كيف يجب أن أتصرف مع من حولي من خلال هذا الجسد الجديد؟ ماذا ألبس؟ وكيف أتصرف؟ ولماذا أنا ضجرة أغلب الوقت؟ كيف ينظر الآخرون إلى جسدي؟ لماذا جسدي يسبب كل هذا التوتر وكل هذه الأسئلة وكل هذا الألم؟

عند تلك النقطة الحساسة كنت أشعر بحالة عامة من الانفصال بيني وبين جسدي الجديد، فأنا لا أفهمه، وهو متعب ومتقلب أغلب الوقت، وصرت أكثر عزلة وأكثر قلقًا في التعامل مع الناس من خلاله، ثم في مرحلة تالية، جربت –مثلما جرب معظم الفتيات- أن أرتدي ملابس واسعة تغطي كل جسدي مع وضع غطاء على رأسي "ما يسمى بالحجاب"، فعلت ذلك كما تفعل أي فتاة في سني، لأنها سمعت من محيطها العام أن الحجاب شيء جميل وواجب على كل بنت، أحببت ذلك لفترة فعلًا، لكن بعد وقت ليس بطويل كنت أكبر وأتغير وأتشكل وأبني أفكاري المختلفة عن السائد، فصرت حقيقة لا أفهم هذا الحجاب، هذا القماش الذي بدا بلا معنى بالنسبة إليّ وقتها. يقول البعض الحجاب فرض، يقول البعض الآخر الحجاب ليس بفرض، يقول البعض الحجاب مهين للمرأة، يقول البعض الآخر الحجاب تكريم للمرأة، وقال لي أحدهم ذات مرة: "الحجاب مهم، أنت كفتاة جسدك كله مفاتن قد تفتنني كذكر" وقد أضجرني هذا القول جدًا، ولم أرغب حتى في مناقشته.

كنت أفكر: أحقًا كل الغرض من الحجاب ألا أثير غرائزك؟ حسنًا لماذا إذا لا تتحجب أمك وأختك أمامك حتى لا تثيرك؟ وبنتك؟ ألسن كلهن يمتلكن أجسادًا أنثوية؟ وإذا كان الحجاب حماية لي من عينيك، فبعض الأموال والحياة المرفهة، قد تضمن لي حماية كاملة وحصانة ولن أضطر لارتداء الحجاب! وما علاقة كل ذلك بـ"الله"؟ لماذا يريد الله منا أن نغطي أجسادنا؟
في العموم هذا كله لم يهمني كثيرًا، ولم أقف أمامه كثيرًا، أنا كنت أتألم جدًا تجاه جسدي وكنت أبحث عن الفكاك من هذا الألم، كان التوتر يتفاقم، صرت أكره الثياب كلها وليس الحجاب فحسب، كنت أقضي وقتًا طويلًا وحدي متخففة من ثيابي بحثًا عن الخلاص من هذا الألم، ولم يكن ذلك يجدي نفعًا فحتى جسدي بدون ثياب يثير توتري. كنت عندما أنظر إلى وجهي في المرآة والحجاب ملفوف حوله يصيبني الجنون، كنت أشعر أن هذا الحجاب صندوق من الحديد يحيط برأسي، وبرأس كل الفتيات حولي، الفتيات في المترو يرتدين صناديق من حديد، الفتيات في المدرسة داخل صناديق من حديد، الفتيات في كل مكان داخل حديد حديد حديد..
عند هذه النقطة، كنت قد سئمت تمامًا، وقررت خلع الحجاب، كنت أبحث عن نوع من التوافق بين ما بداخلي: ذاتي الداخلية، وبين مظهري الخارجي، واعتقدت أن عدم ارتداء الحجاب هو ما سيمنحني ذلك "التوافق"، وسيجعلني طبيعية أكثر، ومنطلقة أكثر، وغير مقيدة، ولكن ذلك.. للأسف.. لم يحدث! عدم ارتداء الحجاب أيضًا لم يجدِ نفعًا ولم يخلصني من أزمة الجسد والتوتر الدائر حوله.

مازال الألم الممل..

ما الحقيقة في ذلك؟ ما هو الانسجام الحقيقي مع الجسد؟ وهل هناك هذا الانسجام حقًا أم هو محض خيال وأمانٍ؟
في هذه المرحلة من حياتي، بعد عامين أو ثلاثة أعوام بدون حجاب، وبعد أن مررت بتغيرات عدة، أنا الآن قد سلمت لفكرة أن هذا التوتر الذي يلازمني ناحية جسدي –ويلازم معظم الفتيات- ليس السبب فيه هو الملبس وليس السبيل للتحرر منه هو التخفف من الملابس أو تغطية الجسد كاملًا حتى لا يبين منه شيء.
إن التحرر من هذا التوتر الدائم متعلق بفهمنا لطبيعة هذا التوتر. أرى التوتر ناحية الجسد شيئًا مستمرًا ولا نهائي، وقد يرتقي ليكون جزءًا أصيلًا من ماهية الجسد الأساسية، أرى الجسد في ذهني عبارة عن كتلة من الألم والتوتر، نحن نولد بفضل الألم الذي تكابده أمهاتنا للمجيء بنا إلى الحياة، وفي كل لحظة منذ ولادتنا نحن نتألم، كل ما يقوم به جسدنا من عمليات أكل وشرب وإخراج وتنفس ينتج عنها الألم، حتى إن اللذة الجنسية ناتجة عن الألم، دورة الحياة في أجسادنا ودورة الطمث في أجساد الفتيات وكل شيء كل شيء هو في حقيقته ألم محض.

إذن إن الألم هو جزء من حياة وتكوين هذا الجسد، وبدون هذا الألم يكون الجسد ميتًا لأن الألم لا يتوقف إلا ساعة الموت.
وعندما أدركت ذلك توقفت عن محاولة التحايل عليه وقهره، وتحولت إلى محاولة التأقلم معه وإدراكه دون جزع أو ضجر.
من خلال تقبل لحظات الألم والتوتر الكبرى وتركها تمر كشيء لا مفر منه، وباحترام جسدي واحترام احتياجاته وعدم محاولة إرغامه على أن يوضع داخل قالب معين لإرضاء الناس والمجتمع، لست مضطرة لأكون جميلة طوال الوقت، أو صافية الذهن طوال الوقت، لست مضطرة لأكون البنت عديمة المشاعر والمصمتة والتي لا تتحدث في أمور الجسد لأبرهن على عفة جسدي وأحاكي النموذج المنتظر للبنت "المحترمة"، ولست مضطرة لارتداء ملابس لا تناسبني لمجرد أنها ستجعلني أجمل في عيون الناس أو أكثر انفتاحًا وعصرية. وأن أتخفف من الألم أيضًا خلال محاولة الاندماج مع العالم من حولي، صحيح أن هذه المدينة لا تكثر فيها مظاهر البيئة الصحية والأشجار والشوارع المريحة الذي يحب الإنسان الاندماج معها، صحيح أن المياه في الصنبور رائحتها كرائحة مياه المجاري تمامًا وأحيانًا يكون لونها غريب أيضًا، لكني حقًا –حقًا- أحاول أن أجعل جسدي يتفاعل مع هذه البيئة دون ضجر، أفكر فقط أن هذا قدري، هذه المياه قدري، وهذه الشوارع قدري، وأني سأقبلها كما هي، وسأعلم جسدي أن يرضى، أن يتأقلم مع كافة الظروف وكافة أشكال الحياة، أن يحب الأتربة والجلوس على الأرض والأرصفة كما يحب السرير النظيف الوثير الدافئ.
***
وعدت، مرة أخرى، لمحاولة النظر إلى الحجاب بعين جديدة، وروح وذهن أكثر انفتاحًا عن ذي قبل، قررت ان أنسى كل ما قرأته أو سمعته من مجادلات وصراعات حول الحجاب، وأن أسأل نفسي بصدق، ما هو الحجاب؟
وكان يلزم قبل ذلك أن أسأل نفسي بصدق: ما هو الله؟ وما هو الدين؟
وأجبت بصدق: الله هو الحقيقة القصوى بداخلنا يا إيثار.

إن الله بداخلي له صوت أعلى من كل الأصوات الخارجية، ومن حقي أن أستفتيه، وأن أحاول استنباط فهم مختلف يريح قلبي، من حقي أن أسأل نفسي، إن كان هناك دين، إن كان هناك حجاب، فيا ترى، لماذا هذا الحجاب هو عبادة وأمر مقدس؟
وجاوبت نفسي علي كالتالي: إننا كإناث يا إيثار جميلات، وأنت تعرفين ذلك، خلقنا لنكون جميلات، في تركيبنا وفي فكرتنا وفي مظهرنا، وجزء كبير نسبيًا بداخلنا يدفعنا لتكثيف جمالنا المظهري، وإبرازه، وليس من عيب في ذلك بلا شك. إنه جزء منا. والإفراط فيه قد يجعلنا نصل لأن نحصر الأنثى كلها في المظهر الخارجي فقط.
وفي العموم فكرة "إبراز الجمال" هذه، حتى في إطارها المقبول والطبيعي والمعتدل، فهي تحمل داخلها نوعًا من أنواع التوتر، والسؤال الدائم عن "ماذا أكون في عيون الآخرين؟"
وإذا نظرنا إلى أمر التوتر حول الجسد الذي يلازم الأنثى نفسها، فإني أرى يا صغيرتي أن الحجاب قد يكون نوعًا من أنواع تخفيف التوتر نحو الجسد من خلال إعلاء قيمة الروح على قيمة الجسد، أي أن الحجاب هنا، هو تخفف روحي من كل هذه الأفكار وكل هذا التوتر، هو عقيدة، التي قررت أن تعتنقها –في وجهة نظري- يجب أن تنشد من خلالها الوصول لشعور بأن جسدها ليس هو ذاتها الحقيقية، بل هو مظهر خارجي، وأنها تريد تهميش هذا المظهر وفق خطتها في السمو بروحها، وخطتها هذه بالتأكيد تشمل مجموعة من الممارسات الروحانية التي لا تقتصر على الحجاب فقط.

إنها تؤمن بذلك في كل الأوقات، في بيتها، وفي الشارع، وسط الرجال ووسط النساء، هي تدرك طوال الوقت قيمة روحها وتحاول الاتصال معها بشكل أكبر، إرضاء للحقيقة التي بداخلها، التي تحاول الاقتراب منها، وهي "الله".
وهذا الحجاب متعلق بالأنثى وبتعاملها مع ذاتها وبعلاقتها بربها أكثر مما هو متعلق بالذكر وشهواته.
وهذا أيضًا يعني –في وجهة نظري- أن الحجاب أمر راجع كلية للمرأة، وهي وحدها التي لها الحق في تقرير إن كانت سترتديه أم لا، وهل هي على القدر الكافي من الالتزام الأخلاقي والديني لذلك أم لا.

نعم الحجاب بهذه النظرة التي أراه بها أمر حسن، وعبادة نتقرب بها من الله، لكنها –ككل العبادات- من حق كل إنسان أن يختار الوقت والطريقة والأسلوب الذي يناسبه لتطبيقها، وعليه أولًا أن يشعر بحاجة ملحة لفعل هذه العبادة، حاجة نابعة من شعوره الديني الخاص والشخصي وليس لأي شخص آخر الحق في فرض أي عبادة عليه.
***
حين أراقب الفتيات في الشوارع وفي المدرسة وأفواج البنات في "السنتر" التعليمي، أتساءل هل هذا هو الحجاب؟ إنني لا أرى تلك الروحانية التي أبحث عنها، بل أرى نفس الصناديق الحديدية الذي أفجعتني منذ أعوام، أرى فقط فتيات في مقتبل العمر، لم يحظين بكثير من التجارب، ارتدين الحجاب لأنه لعوامل اجتماعية صار الحجاب هو السائد وهن يتبعن السائد. هن مطالبات بغطية أنوثة هن غير واعيات بها من الأساس، فقط ليكسبن لقب "محترمة". كيف يكون المرء مخلصًا في عبادته إن لم يكن واعيًا بها؟
الحجاب المنتشر حاليًا هو في ذهننا الجمعي تكريس لفكرة الجسد وليس تخففًا منها، هو يكرس لفكرة أن الأنثى قيمتها في مقوماتها الجسدية، وأنها ترتدي الحجاب لتزيد من ثمن جسدها، فالبضاعة المغطاة قيمتها أكبر من البضاعة المكشوفة، وصار البعض يتفنن في عرض هذه الفكرة، فمرة يشبهون الأنثى بالمصاصة التي إن تركت مكشوفة سيلتم حولها الذباب، ومرة يشبهونها بـ"التابلت" الذي يجب أن يغطى حتى لا يخدش! والشباب ينجرفون في أفواج وراء هذا الكلام. وعوضًا عن أن هذا المفهوم يهين الأنثى ويجعلها مجرد سلعة، فهو أيضًا يتنافى مع أي غرض روحاني يمكن أن تستنبطه أو تتأمله من الحجاب، ويحوله من عبادة روحانية للتقرب إلى الله إلى ممارسة اجتماعية تكرس لمفهوم تسليع المرأة والتعامل معاها كوعاء للجنس والشهوة، وتنفر الكثير منه وتخلق الكراهية نحوه.
***
هل سأرتدي الحجاب يومًا ما؟ إن وصلت لاحتياج روحاني حقيقي متغلغل فيّ لهذا الحجاب فسأفعل. وأعتقد أني لن أصل لهذه النقطة إلا بعد حسم الكثير من الجدالات والأسئلة التي تدور في ذهني حول تطبيق فهمي للحجاب على أرض الواقع، أسئلة لا أجد الإجابة عنها حتى الآن، مثل: ماذا لو كان الدين الحقيقي كشريعة ونصوص لا يطابق شعوري الديني الخاص؟ وما الذي يؤدي إليه الحجاب وسط المنظومة العامة التي تحكم وتحدد دور المرأة ووجودها؟ هل هو يدعم دورها؟ أم يحده؟ هل الشريعة في العموم تحد دورها وتجردها من إمكانياتها؟

لا أعتقد أن في أسئلة شديدة الحساسية مثل هذه سيكون الوصول للإجابة سهلًا، أو سريعًا، ربما يستغرق سنوات طوال، ويحتاج الكثير من المجهود والبذل الذهني والفكري.
لكني في كل الأحوال، سأظل، أثق في ما يخبرني به قلبي.


الأحد، 13 سبتمبر، 2015

العلاقة الغرامية بيني وبين شخصية منير الغنائية

لوحة لمحمد منير، رسمتها بنفسي في أكتوبر الماضي


مجموعة ألبومات منير هي رفيقي الدائم الوحيد منذ السنوات الأولى لمراهقتي، وهي الحقبة العمرية المثالية لسماع (منير)، فلـ (منير) شخصية غنائية فريدة تجتاح كافة أغانيه، وتلك الشخصية جذابة جدًا بالنسبة لمراهقة صغيرة.

 منير يمثل من خلال أغانيه الشاب الصغير، المقارب جدًا للشاب المصري في بداية حياته بشخصيته وتناقضاته، وأحلامه الصغيرة، ووطنيته المستوحاة من الأشعار والأغاني والأناشيد الوطنية.

 مفردات أغاني منير بسيطة تلك البساطة التي توحي بالسذاجة أحيانًا، فيتكرر في أغانيه حديث عن: القمر والنجوم، الأشجار، البحر، الشطآن، عيون الحبيبة ورموشها الجارحة، طيور الحب، وصوت الناي.

هو الولد المغترب عن بلده في أغلب أغانيه، الذي يعاني ويقاسي في لياليه الطويلة من الغربة والترحال "والحنين القتّال" أو الـ"حنين الجتّال" كما ينطقها منير، ذلك الولد الغريب الباحث عن الحضن والشط والحنان والدفء يطلب من حبيبته الصافية أن تمد يدها لتمسك بيده لأن الطريق زحام وربما يضيعان من بعضهما في زحمة المدينة الصاخبة الحزينة، المدينة التي دفع إليها دفعًا وتاه فيها طويلًا.
حبيبة منير سمراء، وقد أتى على ذكر سمرتها وحلاوتها في أكثر من موضع وأكثر من أغنية، يقول لحبيبته أنه خائف وفي حاجة ماسة لحنانها: "ضميني خديني أنا لاجئ، ولأول مرة بكون صادق"، حنانها الموصوف في أغلب الأغاني أيضًا فمرة يقول: "في عيونك السمر بلقى روحي وكياني، ياللي الحنان سره هو حنانك" و"يا صبية يا.. يا حنينة" و"يا ضحكة العمر الحزين يا حنينة... أنا قلبي شارب من حنانك ما اكتفى" و"أنا بعشق البحر زيك يا حبيبتي حنون".

منير/ الشاب، يريد أن يكون هو وحبيبته في عالم صغير يضمهما، عالم خارج حدود الزمان والمكان والواقع، ويطلب منها أن تشاركه حلمه هذا، وأن تذهب معه في رحلته إلى الخيال.  يغازل حبيبته بكل الغزل العذري التقليدي، بداية من أن يغازل عيونها السمراء وخدودها الرمان، انتهاءً بمغازلة قلبها الشاطر، الغزل الذي يكون له وقع مختلف تمامًا حين يأتي من هذا الشاب الصغير التائه ذي الصوت المبحوح، والكلمات التي تأسر قلبها، وبعد أن تذوب الحبيبة السمراء تمامًا في غزله ويغرق قلبها في الضحك، وتمنحه كل الحب والدفء، تحل ضفائرها للهواء وتتمايل في بحور الهوى، تتمايل على كيفه، في سعادة غامرة  وسحر أسمر غريب، ثم تذهب معه إلى شاطئ النيل، وتسمع أحاديثه الطويلة عن بلادنا والناس الطيبين، يقول: كان يا ما كان.. 
فتقاطعه البنت: كان دلوقتي ولا زمان؟
 فيرد: (ما هو دلوقتي زي زمان!
 كانوا جماعة  في أرض وسيعة،
 فيها طبيعة وناسها الصافية
تروي الصحرا بعرق العافية
الأرض الساكتة تبوح بساتين!
الله الله!
قمح وياسمين!
يا ما شاء الله!
والناس عايشين بما يرضي الله
والناس عايشين..
بما يرضي الله.)

وماذا بيدي أنا المراهقة الصغيرة التي لم تحظَ بتجارب سابقة، إلا أن أقع في حبه؟ وأن أهيم بغزله الصبياني؟ وأزهو بغنائه لسمرتي الجميلة؟ وأن أخرج كل طاقات حبي وحناني استجابة لإلحاحه المستمر وتغنيه بجروحه وآلامه؟ ماذا بيدي أن أفعل عندما يقول لي "حبي كلي جروحي" إلا أن أحبها كلها وأحفظها في قلبي الصغير بكل صدق ووفاء ومحبة؟
وماذا أفعل تجاه أحاديثه الوطنية إلا أن أتحدث بها مثلما تحدث هو؟ في مرة أخبرت أخي أن أغاني منير جزء من وطنيتي وحبي لهذا البلد، فضحك مني، لكني كنت صادقة فيما أقول، لم أحب مصر كثيرًا في البداية، ووطنيتي الحالية مستحدثة، ولا أنكر أن العاطفة الوطنية في أغاني منير الممتزجة بالعاطفة للحبيبة السمراء هي من الأشياء التي أثرت فيّ بشدة.
حين أسمع منير أراه يغني لي، لي أنا تحديدًا، أرى نفسي البنت التي "حضنها دفا وقلبها وفا"، يقول: اتكلمي ولا ناديني.. صمتك كلام بيدفيني، فأجيب: حاضر يا حبيبي، وأفعل ما يطلب دون تفكير.

تعلق أختي على أغاني منير قائلة أن منير رمز لعدم الجدية وعدم الالتزام وأغانيه تتحدث عن الشاب الذي يبحث عن الحب السريع الطياري، الذي يهتم باللحظة الراهنة فقط ثم يترك حبيبته لينتقل لحبيبة جديدة، متعللًا بضعفه وآلامه، وأنا أرد على ذلك بأنه ربما  يكون صحيحًا بنسبة ما، لكن وإن يكن! يقول المثل خد صاحبك على عيبه، وأنا أقبل منير بعيوبه التي تبدأ بأنه يعيش دور المسكين والمجروح طوال الوقت ويبتز حبيبته عاطفيًا، وأيضًا أنه يعيش في عذاب طويل مع نفسه ويماطل فيه دون داعٍ، وأن أفكاره عن السعادة بدائية، وفي أفضل الأحوال هي أفكار مراهق لا يعرف ما ستفعله به الأيام وكيف ستفطر قلبه، فكيف يعتقد أنه عندما يفتح زر قميصه للنسيم والأماني أن ذلك سيحل من مشاكله وأمره شيئًا، أو سيوفر له المال، أو يحقق له أحلامه؟ وكيف يحاول إقناعي أن أذهب معه لبلاد لا تعرف الخداع؟ وهل يظنني ساذجة لأصدق هذا الكلام؟
لكنني أقبل صديقي على عيبه، بكل جروحه، كما يجدر بأية مراهقة أن تفعل، تمامًا.

الاثنين، 24 أغسطس، 2015

المغارة المقدسة

حين فتحت عيني اليوم للحظة الأولى، وتركتهما تتجولان في الغرفة وبين الزوايا، رأيت أمورًا تتجسد في ذهني، أمورًا كنت أعرفها من قبل، لكني لم أرها من هذه الزاوية  التي تتجسد وتترابط أمامي اليوم من قبل، رأيت "الجنس"، و"الحب"، "والاغتصاب" في كيان مترابط له دلالاته ومعانيه. فمثلًا، قد سمعت كثيرًا مصطلح "الاغتصاب الزوجي"، والكلمة وحدها كانت كفيلة برفضي للاغتصاب الزوجي بالطبع، لكني وأنا أرفض لم أكن أدرك بشكل دقيق ما هو الاغتصاب الزوجي؟ 
حسنًا كنت أيضًا أسمع أن "الرجل يحتاج الجنس والمرأة تحتاج الحب" وكلما دخلت هذه العبارة إلى ذهني انطلقت صافرات الانذار.. دخيل! دخيل! دخيل!.. ذهني يصفر عند سماع هذه الجملة، كيف للمرأة ألا تحتاج الجنس؟ وكيف للرجل ألا يحتاج الحب؟ هذا الكلام مهترئ وغبي ومحدود جدًا بالنسبة إليّ، وكنت أنعت قائله بالغبي في اللحظة الأولى.
كنت كذلك قد عرفت معلومات وإن كانت غير كاملة ومحدودة -وهذا بسبب قلة المصادر التي تناقش ذلك بشكل علمي واضح ولأني لا أجيد قراءة الإنجليزية فلا أستطيع البحث عن مصادر بلغة أخرى- عن جسدي الأنثوي، عن تلك "الفتحة المخفية، المغارة التي تؤدي أحيانًا إلى المتعة، وأحيانًا إلى الألم، ودائمًا إلى اليأس" كما وصف خوان خوسيه مياس فتحة المهبل، هذا الوصف الذي صعقني، حيث لم أعرف كيف لرجل أن يصف ويتكلم بلسان أنثى عن جسدها وإحساسها به إلى هذا الحد؟
المهم، كنت أعرف أن هذه المغارة التي وصفها مياس هي لا تبين إلا كفتحة صغيرة تمامًا، ثم تتمدد لتدخل أشياء وتخرج أشياء، وأن عملية الدخول تحديدًا يلزمها أن تكون الأنثى مستعدة ومهيئة نفسيًا وجسديًا.
حسنًا حسنًا.. كنت أعرف كل هذه الأشياء، لكن ماذا حدث عندما فتحت عيني اليوم للحظة الأولى؟
رأيت هذه المغارة في ذهني، وبدت كمغارة مقدسة تمامًا، يقف على جانبيها العسس والحراس، ومفتاحها الوحيد هو "الحب".. ماذا؟ هل هذا يعني أن المرأة تحتاج الحب والرجل يحتاج الجنس؟ تقريبًا، لكن ليس بالشكل الذي يصوره المجتمع في ذهننا الجمعي، بمعنى؟ أن الأمر متشابك ومترابط ومتكامل، المغارة لكي تفتح أبوابها وترحب بالوافد بكل ود ومحبة تحتاج القبلات والكلمات واللمسات، التي تمثل "الحب".. بدون هذه القبلات واللمسات سيكون الأمر مؤلمًا أكثر من كونه ممتعًا. حسنًا حسنًا.. الأمر في ذهني تكون كالآتي: هذه المغارة، ذات الحراس، هي هدية من الطبيعة، هدية إلهية، لتعلمنا الحب، لتقول لنا: لن تحصلوا على المتعة إلا إن بذلتم الحب، ستجنون الألم فقط إن بخلتم بالحب. 
وهذا الخطاب غير موجه للرجل وحده، بل للمرأة أيضًا، لأنها في كثير من الأحيان تطمس هذه الرسالة وهذا الخطاب ولا تستمع إليه ولا ترى الحكمة في جسدها، لكنه موجه للرجل بشكل أكبر، لأنه الأقل لمسًا لهذه الحقيقة وأبعادها، لأنه لا يملك ذات المغارة، لأنه لا يشعر بذات الألم واليأس اللذين حدثنا عنهما "مياس"، لأن المرأة وحدها، إن كانت أمًا أو أختًا أو زوجة، هي القادرة على زرع هذا الحب في الرجل وتعليمه إياه، إن أدركت حقًا معنى أنوثتها والحكمة منها ولم تفرط فيها.
وبدا الاغتصاب انتهاكًا لهذا الجسد وهذه المغارة المقدسة، دون أي اعتبار أو احترام لها، لخصوصيتها وهويتها، ولا يفرق كثيرًا، إن كان هذا الاغتصاب من حقير يمشي في الشارع، أو حقير يجلس معي في نفس البيت، كله اغتصاب وكلاهما حقير.
وكلانا، رجلًا وامرأة، نحتاج الحب والجنس في آن واحد، بنفس القدر، لتستقيم حياتنا ونفوسنا.

سعاد، بطلة قصتي القصيرة التي لم أنته منها بعد، والتي أتحدث عنها أكثر مما أجلس لأكتبها، وأدعي أن الحديث عنها يسهل عملية كتابتها، امرأة متوسطة الجمال، في قرية صغيرة، متزوجة من رجل غريب ومستغلق على الفهم، هذا الرجل ينفجر فجأة في البكاء فتحتضننه سعاد كأم كبيرة ترمم ما به من كسور وألم، وهنا تحديدًا، تتخذ علاقتهما شكلًا جديدًا، وتعرف سعاد لأول مرة في حياتها معنى "النشوة"، و"المتعة". قصة سعاد هذه غيرت في نظرتي للأمور، هذا حقيقي وغريب، غريب أن تؤثر فيك وتغير منك بطلة قصة أنت نسجتها في خيالك، لكن هذا بالفعل ما يحدث معي أنا وسعاد، هذا الوضع العاطفي الغريب الذي نتج (الرجل ضعيف يبكي والمرأة أم تحتضن) استثار لذة معينة داخل سعاد، وأنا أكتب هذه الفقرات بين سعاد وزوجها، صرت في حيرة من أمري، هل هذا مشهد عاطفي أم مشهد جنسي؟ جنسي أم عاطفي؟ أم يا ترى عاطفي أم جنسي؟ لا أعرف لا أعرف!
لا أجد هذا الخط الفاصل بين ما هو "عاطفي" وما هو "جنسي"؛ الأمران متداخلان ومتماهيان بطريقة تصعب عليّ الفصل بينهما. ونقلتني قصة سعاد هذه لنظرة جديدة أو لنقل "إحساسًا" جديدًا وتذوقًا مختلفًا للعاطفة والجنس، وأقول "إحساسًا" لأنني لم أستطع أن أصل لصورة واضحة عن الأمر، هو يقع في شعوري فقط حتى الآن ولا أستطيع وصفه، لكنني "أحسه"، وربما أكتب عنه بالتفصيل في مرة أخرى.

 يومًا بعد يوم أتأكد من أن الكتابة تطهرنا وتغير فينا وتجعلنا ننمو. أنا ممتنة لكل حرف أكتبه في قصة أو مقال أو في يومياتي الشعورية في دفاتري الخاصة. الكتابة صلاة إلى أن أجد صلاتي. وقد صرت أبحث عن ماهية الكتابة والفن عمومًا بكل أشكاله: ما هو الفن؟ وكيف يكون الفن فنًا؟ وماذا يلزمنا حتى ندرك الفن؟ هذه أسئلة كثيرة لم تتضح إجاباتها بعد في ذهني، لكنها حين تتضح بالتأكيد سأكتب عنها.

لكن من المهم، الإشارة، لافتقادنا الأدبي لكتابة النساء عن الحب والجنس والعواطف، المرأة لا تكتب في هذه الأمور، نعم أنا واضحة في ذلك "المرأة لا تكتب في هذه الأمور"، لأنها حتى إن تطرقت إليها وكتبت فيها تكتب كما كتب أسلافها من الرجال، تكتب فيها بوجهة نظر ذكورية، ولا تقوى الكثير من الكاتبات النساء على أن تكتب من وجهة نظرها هي، بحياتها الداخلية، بتفاصيلها وأفكارها ومشاعرها، أن تخرج عن القالب الذي وضعه الرجال من قبلها وقولبوها داخله، وهي لا تفعل إلا أنها تمشي على خطاهم، وتنظر للأمور بنفس نظرتهم. طبعًا هناك من كتبن وألفن وخرجن بدواخلهن إلى النور، لكن ما تزال النسبة قليلة.

وهذا ما أحاول فعله، أحاول أن أخلق كتابتي الخاصة، وهذا ممتع وصعب في آن واحد، وفي كثير من الأحيان مدهش، لأني أكتشف أمورًا مختلفة وأرى العالم بنظرة مختلفة، كما يحدث معي حينما أكتب قصة "سعاد".

انتهى حديثي لليوم.
24 أغسطس 2015

الأربعاء، 8 أبريل، 2015

زر الأنوثة

هذا المقال عن الأنثى من أنثى. ليس مادة علمية ولن تجد فيه معلومات دقيقة من مصادر معينة، لأنه كله عبارة عن تجربة شخصية بحتة، لأنثى تبلغ من العمر 16 عامًا فقط، تعايش وتلاحظ وتكتشف الأنوثة داخلها. فهذا سرد أنثوي، شخصي، فكري، وعاطفي، عن الحب، والأنوثة، والأمومة، والحياة. وتعمدت ذكر سني لأوضح أن المرأة قادرة على اكتشاف الأنثى بداخلها في أي سن وأي وضع. ولهذا أيضًا فهذا المقال انتصار وتحقيق للأنثى التي بداخلي، واعتراف بها وإثبات لوجودها..

تتدرج مفاهيم الحب والاحتياج حسب خبرتك وتجربتك، وحسب مدى احتياجك له في حياتك، أول مفاهيم الحب في فترة المراهقة مثلًا تتمثل في فكرة "لفت الانتباه"، أن يلتفت أحدهم إليك، ينظر إليك، يعجب بك، ثم تتدرج المفاهيم، بعد مفهوم لفت الانتباه ننتقل للاحتياج، أنك تحتاج لأن تجد اهتمامًا وعناية من أحدهم، ثم المشاركة، أن تحتاج لأن تشارك أحدهم ويشاركك، ثم الرغبة في العطاء، ثم المرحلة الكبرى، "الرغبة في الحياة"، في هذه المرحلة يتحول الحب في وجهة نظرك لرغبة في الحياة، وكلما ذقت المزيد من أنواع الموت من عزلة وشتات وتخبط وعدمية ازداد إيمانك وشوقك إلى هذه الحياة. هذه الرغبة وهذا الشوق وقوده هو كل التجارب المريرة ولحظات الوحدة وصدماتك في الحياة وإدراكك لذاتك، بجوانبها الحسنة والقبيحة.

يتحول كل شيء عدا الحب لموت، والحب وحده الحياة. والحب هنا يشمل الحياة بأكملها، أي أنه يشمل كافة أشكال الحب، الحب الأبوي والأمومي والأخوي والشبقي، كل أشكال الحب هذه تصب في أني أرغب في الحياة، أني مشتاق للحياة، وأرغب في أن أدفع بكامل قوتي لأحيا، وأرغب أيضًا في أن أجعلك أنت يا أخي/ زوجي/ ابني أن تحيا معي. أرغب أن نحيا سويًا، أرغب في الحياة.

حين يتحول الحب لرغبة في الحياة، لاستمرار الحياة، تكون إحدى تداعيات هذا الحب هي الانجراف لعاطفة الأمومة، الأمومة هنا تكون رغبة عميقة وغريزة أصيلة للبقاء والحياة.

الأمومة تجلٍّ من تجليات "الأنوثة" التي هي موضوع حديثنا، الأنثى هي كيان، والأنوثة هي صفة الأنثى، التي تتعامل من خلالها مع العالم بكونها "أنثى"، وفي فلسفتي الخاصة، أرى الأمومة والجنس وجهان لعملة واحدة، والاثنين يشتركان في أنهما من تجليات الأنوثة.

يتم توظيف هذه التجليات في كل مجتمع وفق معتقداته الخاصة، ففي مجتمع ما، يتم إعلاء قيمة الجنس على حساب الأمومة، وفي مجتمع آخر يتم إعلاء الأمومة على حساب الجنس.. وفي مجتمعنا العربي تكاد قيمة الجنس تدهس دهسًا وتطمس طمسًا، وتبقى في الخلفية الاجتماعية، وحشًا يهاجم الناس، ويقلق منامهم، ويهابونه، رغم أنهم هم من صنعوه وحشًا وتوهموه وحشًا وهو لا ذنب له في كل ذلك.

وهذا ليس حصرًا في ثقافتنا، فعلى مر الأزمنة والثقافات تم عمدًا طمس وتشويه معالم الأنثى، وأرى أن ذلك أدى إلى أن الأنثى نفسها صارت تفضل الأمومة على الجنس –رغم ارتباط أحدهما بالآخر- وسبب هذا التفضيل أنها صارت تجد في الأمومة تجربتها الخاصة جدًا الذي لا يشاركها فيها أحد، الجنس كعملية فسيولوجية يحتاج لشريكين، وربما يحرك الشريك الآخر العملية في اتجاه لا ترغبه أو لا يرضيها، والمجتمع أيضًا يتحكم في شكل هذه العلاقة على المستوى العام وعلى مستوى الأفراد. لكن الأمومة، تجربتها هي ولا دخل لمخلوق فيها سواها. هي تحمل وهي تضع، ومهما بلغ مقدار مشاركة أحد لها في هذه التجربة –حتى زوجها- فالنصيب الأكبر منها يكون لها وحدها. تجربتها الفريدة وربما تكون البشعة والمؤلمة أيضًا، التي مهما حكت عنها لن تستطيع وصفها.

منذ سنتين، كنت وسط مجموعة من الأصدقاء، وكان الحديث دائرًا حول الحب والزواج، كان قطاع كبير منهم يتبنى الرأي القائل: "خلينا نتجوز لكن من غير تعقيدات المجتمع ومن غير أطفال ومن غير الشكل التقليدي للجواز، كإننا مجرد اتنين اختاروا يعيشوا مع بعض، لكن بغطاء اجتماعي مقبول".

علق أحد الأصدقاء قائلًا إنها "كلها بتجر بعضها"، ستحب، إذًا ستتزوج، سترغب في طفل، ثم في طفل ثانٍ وثالث وأسرة كبيرة. وقتها بدا الكلام بالنسبة إلي كبنت صغيرة لا تملك أي تجربة منطقيًّا، لكن غير مفهوم، والجزء غير المفهوم فيه هو أنه: ما الدافع القوي جدًا الذي سيدفعك للدخول بكامل رغبتك واختيارك لدائرة الحب والزواج أصلًا؟ ولماذا تسيطر هذه الفكرة على الناس إلى هذا الحد؟ وبشكل أكثر تحديدًا، ما الذي يدفعني كأنثى لخوض تجربة الحب والزواج والأطفال؟ ما القيمة المضافة لحياتي من خلال تجربة كهذه؟ 

ومر الوقت، وجرت الأحداث بسرعة جنونية، وفي خلال سنتين فقط أصبحت قادرة على فهم هذه المعضلة المتعلقة بالحب، بل وأصبح عندي رغبة عميقة في الحصول على تجربة الحب هذه، ماذا حدث؟ الذي حدث أنه تم الضغط على زر الأنوثة بداخلي. 

ما هو زر الأنوثة؟ زر الأنوثة، هو نقطة معينة في عمق معين داخل كل بنت، عندما تصل إليها، فهي تصل إلى لذاتها، إلى أنوثتها، إلى الجزء المتعطش للحياة بداخلها، والجزء الذي يتوق إلى أن يهب الحياة لمن حوله، أن يهب الحب، ويستقبل الحب، بلا توقف وبلا حدود.

زر الأنوثة هو نقطة بلوغ نفسي وعقلي للأنثى، وهو مختلف عن البلوغ البيولوجي المرتبط بالسن والمرحلة العمرية والهرمونات، فهو يحدث في أي سن، طالما كانت الأنثى مستعدة لحدوثه. وهي بعد وصولها لهذه النقطة داخلها، تتبدل نظرتها لنفسها وللحياة، وتختلف أحلامها وآمالها ومتطلباتها.
زر الأنوثة أيضًا، هو النقطة التي تتخطى فيها الأنثى نظرتها لنفسها من الخارج إلى الداخل، إلى نظرتها لنفسها من الداخل إلى الخارج. ماذا يعني من الخارج للداخل؟ يعني أن الأنثى التي لم تكتشف نفسها بعد، تذهب إلى رؤية نفسها بعيون الآخرين، وتستمد معرفتها بنفسها وتعريفها لما يجب أن تكون عليه من خلالهم ومن خلال معتقداتهم عنها، وعما يجب أن تكون عليه. فإن كان الناس مثلًا يفترضون أن الأنثى يجب أن تكون خجولة، فتصبح هي تقيس أنوثتها على مقياس الخجل الذي وضعه الناس. 

وإن افترضوا أنها يجب أن تكون جريئة وجذابة فهي كذلك تقيس مدى أنوثتها من خلال درجة مطابقتها للصورة القياسية للجاذبية المطلوبة. لكن بمجرد أن تبدأ الأنثى في اكتشاف نفسها من الداخل، فهي تدرك نفسها ككيان مستقل، وتجد لنفسها مواصفاتها الخاصة التي تعبر عن أنوثتها، وتشعرها بوجودها، وتستمد تعريفها لذاتها من ذاتها وليس من الآخرين.

أود العودة للحديث عن الأمومة بالنسبة للأنثى، تجربة الحمل والولادة تبدو لي شيئًا شبه أسطوري، ولا يضاهيه شيء آخر، ودائمًا الولادة متربطة في ذهني بكلمات مثل: جنس، رغبة، متعة، حب، أمومة، أنوثة، ذكورة، إنسان، إنسانية. ومجرد ذكر موضوع الولادة يحرك في ذهني هذه الكلمات جميعها. في ثنائية الجنس والأمومة التي سبق ذكرها، أرى أن المتعة التي ينطوي عليها الجنس، تنتقل لمتعة أكبر وأعمق عندما يفضي هذا الجنس لولادة فرد جديد، وأنه توجد لذة معينة في أن ترى ابنك يمشي أمامك على الأرض، وهناك توق من البشر للحظة التي يرون فيها صغارهم تلك، اللحظة التي يرون أنفسهم في صغارهم، توق في نفس قوة توق الرجل للمرأة، والمرأة للرجل. هذه اللذة هي التي تدفعك إلى حب أبنائك أكثر من أي شيء آخر، أبنائك أنت تحديدًا وليس أبناء أي شخص آخر. 

والآن أستطيع الإجابة عن الأسئلة التي سألتُها لنفسي منذ سنتين، لماذا الناس يهتمون بالحب إلى هذا الحد؟ وماذا يعود علي أنا كأنثى من ذلك؟

ودعوني أجيب عن السؤال الثاني أولًا ثم أتطرق للسؤال الأول: ماذا يعود عليّ من الحب؟ 

أعلم أن الأنوثة مهما بدت لغزًا محيرًا فهي لا تقارن بلغز الذكورة، وأنه ربما لو حاولت يومًا أن أسبر أغوار "زر الذكورة" وأفهمه فإني لن أفهم إلا القليل لتعقيد هذا اللغز، الذكورة معقدة لدرجة أن الإنسان اعتاد على تعقيدها وصار يتعامل معها كشيء مسلم به، ولا يلاحظه أصلا. وأنا لا أعرف متى تحديدًا يشعر الرجل بأنه في حاجة إلى بيت وأطفال، لكني أعرف جيدًا متى تشعر الفتاة بذلك، ربما بمجرد أن تحب ولدًا، وأن تشعر أنها تريد حمايته من كل شيء حتى من نفسه، وربما قبل ذلك بكثير.. البنت تعرف أنها تحتاج إلى طفل عند أول صديقة تحضتنها وتسهر لأجلها وتربت عليها، أو لنختصر كل ذلك، يمكننا أن نقول إن الأنثى تعرف أنها أنثى عندما تستطيع أن تمنح وترعى غيرها وتجد السعادة في ذلك. كل منا داخلها أم تنتظر الفرصة لتخرج. الأم هنا هي المرادف للسعادة، هي رمز للسعادة، للمنح، للرغبة في الحياة، للرغبة في إسعاد الغير. الأم هي كل امرأة تقدر السعادة.

أريد أن أصبح أمًّا لأني أعتقد أن تجربتي الحياتية لن تكتمل بدون أن أصبح أمًّا، وأرى الأمومة مرحلة مهمة في حياة الأنثى أعتقد أني سأسعد جدًّا بأن أعيشها.

أريد أن أصبح أمًّا كي لا أكون وحيدة، كي لا تنهشني الوحدة.

وأريد أن أكون أمًّا لأني أرى أن لدي ما أقدمه لشخص آخر، أرى أن لدي حياة أستطيع نقلها لكائن ما، ليصبح حيًّا هو أيضًا، حي حقًّا، حي بمعنى أنه لا يخاف من الدنيا، بمعنى أنه يحب أن يكبر ويتعلم ويستكشف، ولأني سأحيا به ولأجله.

أريد أن أصبح أمًّا لأصبح شخصًا أفضل، أفضل في التواصل مع ذاته، أفضل روحيًّا، أكثر رحمة بغيره من البشر، وأكثر رحمة بنفسه، ولأن العائلة هي التي تحمينا، صغارنا يمدوننا بالحماية، مثلما نمدهم نحن بها، إنهم يقدمون الحماية لنا من شرنا، من حزننا، من غضبنا، من لوعتنا.

وأريد أن أصبح أمًّا أيضًا لأن تركيبي الجسدي والنفسي يدفعني لذلك، وأنا تعلمت أن أذعن للأصوات المنبعثة من داخلي، لنداء الطبيعة، أن أحترم طبيعتي وأحبها وألبي احتياجاتها. 

والسؤال الثاني، لماذا يشغل هذا الموضوع حيزًا كبيرًا إلى هذا الحد من حياة البشر؟

أعتقد أن المقال كله يعد بمثابة إجابة كافية ووافية عن هذا السؤال، لكن دعنا نقول مثلًا أن حياة واحدة لا تكفي، استمرار الكون يستلزم عدة حيوات متتالية يعيشها الإنسان، من خلال أفراد كُثر، لكنهم في النهاية إنسان واحد، ولهذا يجب على هذا الإنسان أن ينقسم ويكثُر حتى لا يموت.

كل تنويعات الفلسفات والنظريات والمعتقدات في حياة البشر تدور حول "إنهم لا يريدون الموت"، بما فيها المعتقدات الدينية والسياسية والاجتماعية.

في النهاية فكرت أنه بفرض أنني سلمت تمام التسليم بأني أريد أن أصبح أمًّا وأني أقدس ذلك، فماذا سأقدم لطفلي؟ ماذا سأعلمه؟ وكيف ستكون علاقتي به؟

أول ما يخطر في بالي في هذا الصدد، أنه إن كنت أرغب في أن يكون لدي طفل، فعلي قبل أن أوجده أن أوجد نفسي، أن أعيش أنا حياتي، وأخوض تجربتي ومعاركي، أن طفلنا الأول والأبدي هو أنفسنا، أنا طفلة نفسي، علي أن أربيني وأحبني وأمنح نفسي الحرية والثقة والأمان، وأصل بخبراتي إلى استنتاجاتي ومعتقداتي الخاصة، ثم أستكمل هذه التربية والحب في تربية وحب طفلي القادم، الذي سأحبه مثلما أحب نفسي، وأمنحه مثلما أمنح نفسي. 

تربية الإنسان لا يفترض بها أن تكون عملية أقرب لتدجين الدجاج، لذلك لا يجب أيضًا أن نفترض أنه توجد طريقة واضحة وصريحة لإنتاج بشر بالمواصفات التي نريدها تمامًا، أبناؤنا ليسوا دجاجات، وتربية البشر تختلف عن التدجين في أنها تجربة تتطلب من القائم بها الصبر والإنسانية والرحمة، والقدرة على تقبل وفهم الكائن الصغير الذي بين يديك.. التي هي قدرة على تقبل وفهم نفسك في المقام الأول، وفهم إنسانيتك، حتى تتمكن من فهم كائن آخر، تتطلب أن يكون لديك شجاعة لخوض مغامرات عجيبة وأشياء مهولة، وأن تتحمل كل الأشياء الجنونية التي من الممكن أن يعرضك لها ابنك، وأن تجعله هو يعلمك ويقودك ويفهِّمك الحياة من باب مختلف تمامًا، لكن مع الحفاظ على أن تكون أنت ممسكًا به ومتأكدًا من أنه بأمان في رحلته. عليك أن تتحلى بالشجاعة والروح الرياضية لتقبل أن ابنك صحيحٌ أنه جزء منك، لكنه جزء من الإنسان الأكبر، وأنه متفرد، وأن تعامله كأخيك وصديقك قبل أن يكون ابنك.

المقال انتهى : )